هل هي تصحو ؟! .. رقص السؤال فرحا يتردد في كل خلايا جسدها ، انها تصحو اذن ..و هذا الألم الذي ينتشر .. كيف يقولون ذلك في القصص و الروايات .؟. من أخمص قدميها حتى أطراف شعر رأسها ، و لكن مالك و لهذا التعبير المستهلك ، ان ما تشعرين به أكبر و اجمل .. انه مثل زغرودة للجسد تنشدها كل خلاياه و هي تعود للصحو .. لقد ضبطت نفسها متلبسة بحب هائل لا يوصف للحياة ، أي حياة ؟ انها لتحب نفسها الى حد كبير .. و سر هذه الفرحة يكمن في انها كانت خائفة بل مرعوبة من فكرة دخول تجربة عملية جراحية تستغرق خمس ساعات ، انها عملية كبيرة ، و من أجل ماذا تدخل هذه التجربة ؟! .. حبا بذاتها ، اذن كيف سمحت لنفسها أن تنكر ذاتها كل ذلك الوقت الطويل، عندما ألقت بنفسها في أتون النضال الوطني ؟. ينتشر الألم في جسدها مع احساس بالمتعة طالما أنه اعلان عن الحياة مرة أخرى ، مثل ألم الولادة . تشعر بالألم مثل وخز الدبابيس في كعبيها .. و تصرخ من الألم، يالها من كاذبة . بردانة .. كل عظامي بردانة .. غطوني .. رأسي يؤلمني .. وجهي .. رقبتي .. تشعر بالألم بدءا من حواف الرأس ثم يفيض، وهي تصرخ من الألم وكأنها تزهو فرحا” به. آه .. فجأة كأنها تختنق، تمسك بأي شيء قريب منها دون أن تدري ما هو ، طرف الشرشف ؟ منديل ؟ قطنة ! هي ليست واعية بعد ، والألم ينتشر مثل خدر ثقيل في الجسد و العقل .. فلا تدرك ماهية و كيان الأشياء من حولها.. تتداعى الآشياء في رأسها ، تنطق بكلمات رغما عنها. الحمد لله .. تمكنت من ان تبصق دفعة البلغم .. هذا ما كانت تخشاه .. أن تختنق بالبلغم .. و لذلك أوقفت التدخين قبل العملية بأسبوعين لتخفف من أثر البلغم .. لن تعود للتدخين قط ..تقول في نفسها و هي تسمع أصواتا تهمس حولها:
- صحوها ممتاز..و هي تخرج بلغم البنج بسهولة .
اذن للبنج بلغمه أيضا .. انه بلغم تصعب السيطرة عليه مع تأثير التدخين في الرئتين.. المهم أنها تصحو ..و كانت مرعوبة من فكرة أن لا تصحو أبدا .. هكذا صرحت لزوجها و هي تتظاهر بالمزاح .. لقد أخبرت الجميع أنها على سفر .. سيكون هذا كافيا اذا ما تمت الأمور
على ما يرام ..و لكن اذا لم تصحو بعد العملية فماذا ستقول للأهل و الأصدقاء ، سألت زوجها:
- ذهبت في مكوك الى الفضاء و لم ترجع ، و لماذا يرجع مكوك الفضاء ؟! ( قال زوجها و ضحك )
لا زالت تدعوه زوجها، وربما تشعر أنه زوجها حتى الآن ، فهي لا تستطيع أن تلغي أكثر من عشرين عاما من نفسها و حياتها، ماذا تسميه اذن ؟! صديقها ..؟ نعم و لم لا ؟! ان الصديق انسان قريب منك .. تستطيع أن تكون معه نفسك بصدق ، لا تخفي عنه شيئا ، فيعرفك و يفهمك أكثر . وهي قد أخفت عنه شيئا .. بل أكثر . في الآونة الأخيرة بدأت تخفي عنه ، فهو لم يعد يصدقهاعندما تخبره أو تفسّر له ما يحدث معها ، انه زوجها .. وعندما لا يصدقها .. كيف تكون صادقة معه .. انها أحجية .. يكاد الأنسان لا يعرف نفسه أحيانا .. و ينفصل عنها .. كما انفصلت عن زوجها .. هذا هو الانفصال .. أن لا تكون نفسك مع من تحب . هذه الذكرى كانت مثل فجوة بين الألم و الفرح .. احتفاء بالعودة للحياة .. و ها هي تبحبش في دواخيش قلبها و عقلها. لماذا دخلت هذه التجربة ؟ لتكون أجمل في عيني الرجل الذي بدأت تشعر انها تحبه ؟ كم هي فرحة ، انها لا تصدق نفسها .. انها تحب مرة أخرى .. فهذا بحد ذاته احتفاء بالذات .. و بالعودة للحياة .. بعد ألم الانفصال .. و معاناة الوحشة. ورغم أنها اضطرت لكبح مشاعرها بسرعة ، الا انها فرحت جدا” بها ، يكفي أنها أعادتها للحياة ، الحب وحده قادر ان يعيدها للحياة مرة أخرى ، ستعود لقراءاتها .. سوف تكتب .. وتتأمل الوجود من حولها ..سوف تعتني بجسدها و جمالها . يحضر الطبيب و هي مسترسلة تلملم وعيها ، و كلما انحسر الألم عن جزء من جسمها حل محله شعور بالنشوة .. حتى طلبها للمبولة اندرج تحت قائمة الأشياء المفرحة .. فها هو جسدها يعود ليقوم بوظائفه الطبيعية .. بدءا من القيء .. الألم .. الصراخ .. التبول ، وفجأة تشعر بالجوع .. آه .. ما أجمل الأحساس بالجوع. لم تشعر بدخول الطبيب ..يربت على يدها و يسحب يده بسرعة، ويسألها :
- كيف حالك ؟!
- كويسة .. شكرا ، يسلموا ايديك يادكتور.
تجيب دون أن تفتح عينيها ..فهذا ليس ممكنا بعد ، تبحث عن يده .. لتربت عليها وتبقي يدها فوقها ، انه طبيب ماهر و لطيف ..و وسيم أيضا ، هكذا شعرت عندما راجعته أول مرة .. كأنها شعرت بميل نحوه .. و أن لديه شعورا” مشابها نحوها، لكن هذه المشاعر ظلت مبهمة ، ثم ضاعت في زحام المشاعر الأخرى .. شرح لها الطبيب ماذا فعل ، و أضاف :
- كانت عملية من الروح للروح .
انزاحت آخر موجات الألم من أطراف خلاياها ، و كستها فرحة . لكنها لم تستطع أن تقول أكثر من شكرا و تبتسم في داخل نفسها ، يربت الطبيب على باطن ذراعها ، تحسّ بحنان اللمسة .. تستغرق في فرحتها.. ها هي قد أنجزت مهمتها و صحت ، أغمضت خلايا جسدها و عينيها و غفت بلذة.