مقال تحليلي، يعيد الاعتبار لمقولات علم النفس في فهم ما يجري من احداث سياسية.
اعتدنا في الساحة العربية على الفهم العمومي للاحداث السياسية، من خلال التريحات والبيانات والقرارات، واشكال الصراع المباشر مثل الصدامات والمواجهات والمظاهرات وما إلى ذلك، ولا يحدث ن نجد من يربط الاحداث السياسية بما تحمله من أبعاد أخرى لحركة الحياة في المجتمع مثل الابعاد الاجتماعية النفسية والثقافية والعقائدية، وفي احسن الاحوال يتم ربط السياسة بالبعد الاقتصادي فقط، دون الالتفات إلى التحولات الثقافية، والاجتماعية والعقائدية، والتي تتفاعل بشكل صامت وخفي مع المعطيات الاقتصادية والسياسية وما ينتج عنها من صدامات سلمية أو مسلحة، وحروب صغيرة أو كبيرة، ,هذا هو الخطأ الذي وقعت فيه القيادة السوفياتية في السبعينات والثمانينات، فادى إلى ما يحدث في التسعينات.
في بداية هذا العالم، وبعد مرور اكثر من سنة على بدء عملية السلام، وفي فترة اخذت المفاوضات السياسية تراوح مكانها وتدور في حلقة مفرغة، مرت الانتفاضة بحالة من العودة إلى حيويتها وقد رافق ذلك ظاهرة بدأت تنتشر من حوادث الطعن بالسكين من قبل مواطنين فلسطين (رجال أو نساء) موجهة نحو افراد من جنود الاحتلال أو المستوطنين واحيانا نحو مواطنين اسرائيلين عاديين (رجال أو نساء)، وقد بدت هذه الظاهرة للوهلة الأولى وكانها ناجمة عن حالة من اليأس تعم الشارع الفلسطيني، ولكنها في الحقيقة اكبر وأعمق من ذلك، وخاصة إذا نظرنا اليها من خلال طبيعة وحجم رد الفعل تجاهها في الشارع الاسرائيلي. والذي عبر عن نفسه بانتشار حالة من الخوف والقلق وصلت حد الذعر. الأمر الذي دعا الحكومة الاسرائيلية لاتخاذ قرار فصل المناطق والعودة إلى الخط الاخضر، وهذا ما كانت تتجنبه اسرائيل وبشكل واضح على مدى السنوات الماضية فهي حتى في مراحل التاجج القصوى للانتفاضة لم تلجأ لهذا الفصل الا من مناطق محددة ولفترات محددة، لأن العودة إلى هذه الخطوط تحمل في الحقيقة دلال قوية بالاعتراف بكونها قوة احتلال غير قادرة على دمج الاراضي والسكان كما تعودت أن تدعي لمواطنيها وللعالم.
وقد لفتت ظاهرة الذعر التي سادت الشارع الاسرائيلي انتباه الكثيرين في ذلك الوقت، ثم مرت ولم تترك اثرا في تفسير ما تبع من أحداث، لكنها في الحقيقة تمثل ذروة من ذرى الصراع العربي الاسرائيلي، وتثير تحليلات نفسية واجتماعية عميقة، وتشكل خيطاً اساسياً في نسيج الاحداث، عاة ما يغفلها أو يتغافل عنها صناع السياسة والرأي العام، وهي غالبا ما تلعب دورها بشكل خفي ولا شعوري كما يتفق على ذلك العديد من علماء النفس مثل: سيجموند فرويد في كتابه: ((علم نفس الجماعة وتحليل الأنا)) وجوستاف لوبون في كتابه: ((سيكلوجية الجماهير)) وسول شيد لنجر في كتابه: ((التحليل النفسي والسلوك الجماعي)) وغيرهم. اذ يجمعوا على ((وجود الحوافز اللاشعورية في ظواهر الجمهرة)) أي الظواهر التي تنتشر بين الناس.
ان ظاهرة الخوف والقلق التي سادت الشارع الاسرائيلي في الأشهر الأولى من هذا العام، لم تكن تحدث للمرأة الأولى، بل انها ظاهرة يتميز بها المجتمع الاسرائيلي، ولا تكاد توجد في أي مجتمع آخر، وهي حقا ظاهرة تلفت النظر اذ كثيرا ما تحدث لمجرد مقتل جندي أو مواطن، فلماذا كل هذا الهلع؟! اننا لو أحصينا عدد القتلى في الجانب الاسرائيلي منذ اندلاع الانتفاضة (حوالي ست سنوات)،فالعدد بالكاد يصل إلى 180 قتيل، في حين نجد وعلى أقل تقدثير عشرة اضعاف هذا العدد في الجانب الفلسطيني، وأضعافأضعافه من المعتقلين والمبعدين والجرحى الذين أصيب أكثر من ثلثهم بعاهات مستديمة، ومع ذلك لا نجد نفس الدرجة من القق والخوف، بدليل استمرار عمليات المواجهة.
والأمر الذي يلفت النظر اكثر هو ان ارتفاع حدة القلق والذعر واتساع انتشارها، لا تشمل فقط المواطنين العاديين وانما تتعداهم لتشمل الصحافيين والكتاب والسياسين، ومعظمهم يربط بين عملية السلام وظاهرة الذعر لدرجة يصرخ معها كاتب مثل هليل فايس في مقال نشر في حداشوت 17/3/93 (نقلا عن القدس الدولي في 18/3/93)، بعنوان ((كلمة السلام أصبحت أبشع من كلمة الحرب)) ويبدأ مقاله ب : ((أصبح لدى انعكاس شرطي عندما اسمع كلمة سلام. أبحث عن المكان الذي تنطلق منه السكين، لقد كرهت السلام بسبب السيرة السلمية)) ثم يكمل… ((لقد اصبحت كلمة السام ابشع من كلمة الحرب، ففي الحرب تقاتل من اجل الحياة ذاتها، اما مسيرة السلام فهي تحشر اليهوي في الزاوية)) ثم يختم مقاله باعتبار رابين خطراً قومياً على اليهود، لانه يستمر في عملية السلام.
اما اوري التيسوري في مقاله الذي نشر في بديعوت احرنوت في 17/3/93 (نقلا عن القدس الدولي في 18/3/1993) بعنوان: ((المشكلة لا تكمن في الاحتلال ولا في الانتاضة، بل في ان الفلسطينين ملو رؤيتنا)) وهو رغم محاولته الهرب من الحقيقة في العنوان اذ يعزو كل ابعاد الظاهرة إلى المال، الا انه في وسط المقال، ينتقد العجز الذي تبديه كل من الحكومة والمجتمع الاسرائيلي حيال ظاهرة الطعن بالسكاكين، والرعب الذي بدأ يسكن المواطن اليهودي، حيث لا يمكن توقع مصدر الخطر أو الاحساب به، فيواجهه بالخوف والذعر، وبرأيه ان مفتاح الموضوع يكمن في: (( ان صور الجنود وهم يفرون امام مطارديهم من اطفال الحجارة خلفت تجربة شعورية مثيرة، اسكرت المواطنين العربي وجعلته يشعر بالقوة، فهو بعد اربعين عاما اكتشف اننا نخاف منهم)) ولا يقف التيسوري عند هذا الحد بل يكمل بقوله: ((ان من يرغب في التصدي لظاهرة حملة السكاكين فلا مفر من ان يدخل منطقها)) ويتوقع ان تختفي عندما يكف المواطن اليهودي عن الهرب واظهار الخوف، وان كان يعترف بان هذا لن يكون سهلا. ويستمر في تحليله مشيراً إلى موقف الحكومة من عملية السام فيقول: ((فاذا كان على الجيش ان ينزع الاسيجة ويستخدم السلام بدلا من الاسيجة الواقعيةن فعلينا نحن المواطنين ان لا نهرب من حملة السكاكين والحجارة، بل على العكس علينا ان ننقض عليهم بمسدسات تيرنر المشرعة (تيرنز هو رئيس الشرطة الاسرائيلية). ثم يختتم مقاله محاولا ان يقنع نفسه وقراءة بان هذه النصيحة رغم انها خطرة وغير مدروسة كما يقول إلا أنّه يراها منطقية لأن هذا المنطق هو الرياضيات السائدة في الحياة.
ان التيسوري وغيره من الكتاب والصحافيين والسياسيين يحاولون الهرب من مواجهة الحقيقة، لكنهم يحتكمون إلى منطق الدفاع عن الذات باستنهاض الدوافع الغريزية في حب البقاء لمقاومة الخوف وما يهدد بالفناء، وهم بذلك بحاولوا ان يعيدوا الاعتبار إلى اعمق ما في النفس الانسانية، لكنهم للأسف يقصرون ذلك على طرف دون الآخر، والانسان هو الانسان مهما تبدلت مواقعه.
ولنر ما يقوله عالم النفس الاسرائيلي إيتي شيلوني، عندما يسأله صحافي من معاريف: ((هل الجمهور الاسرائيلي في حالة ذعر؟!)) يجيب: ((لا شك)) ولا اخاله بجانب الحقيقة هنا، لكنه عندما يفسر ذلك يقول: ((في حالة الضغط النابع عن عدوان خارجي فان الجمهور يرد باحساس من الخوف والذعر ينعكس برغبه في الحماية)) ثم يستدرك ويقول: ((أو بمزيد من التطرف في المواقف، مما يؤدي إلى ايقاظ الرغبة بالاعتداء على الطرف الآخر)) ويستطرد قائلاً: ((فيتطور الامر كالتالي: إحساس تام بالضياع ومن وجهة ثانية، الوهم بأن ضربة واحدة كافية ستخرجنا من هذا الوحل)). ولنلاحظ هنا أن استخدام كلمات مثل: الضياع والوهم من قبل عالم نفس ليست كلمات عابرة، فعندما يسأله الصحافي، ((اذن فقد الجمهور توازنه؟)) ويقصد الجمهور الاسرائيلي، يجيب العالم الاسرائيلي: ((الى حد كبير)).
وبعد هذا العرض لعينة من ردود الفعل الاسرائيلية، التي نشرت مترجمة للعربية في جريدة ((القدس الدولي)) أو للانجليزية في نشرة ((مقالات مترجمة من الصحافة العبرية)).
وللاجابة على هذا السؤال دعونا نلقي نظرة تحليلية على طرفي الصراع الدائر في الاراضي الفلسطينية المحتلة. وبالاستناد إلى مقولات التحليل النفسي.
ففي الجانب الفسطيني جاءت الانتفاضة كمحصلة طبيعية لتراكم مجريات الصراع العربي الفلسطيني مع الاحتلال الاسرائيلي، جاءت كيقظة لوعي الانسان الفلسطيني تحت الاحتلال بمجموعة أفراده بضرورة تحمل عبء وجودها ولتدافع عن بقائه حتى الرمق الأخير (استخدام الحجار والسكاكين والجسد) في مواجهة تقنيات الآلة العسكرية الحديثة الاسرائيلية، وبعد ان تمثل التجربة النضالية للشعب الفلسطيني خارج أرض الوطن والتي قادتها منظمة التحرير الفلسطينية بمجمل تاريخها في الصراع مع الاحتلال من أجل طموحاته الوطنية والانسانية وفي كافة معاركها ومعاناتها من صراع إلى صراع ومن منفى إلى منفى، نالت استحقاقها لتكون مصدرا لالهامه ووجهة توحده (اناه الاعلى) كما يقول فرويد، ((فالانا الاعلى يكتسب صفات الموضوع المتوحد به ويدمجه في ذاته)) (علم نفس الجماية وتحليل الانا، ص65) فحلت بذلك ازمة الهوية لدى الانسان الفلسطيني وهي من أعمق الازمات التي تواجهها الذات الانسانية كما يقول العالم النفسي المعاصر اريك اريكسون. وبذلك اكتملت لديه شروط تماسك الذات فكان هذا من أهم اسباب قوتها.
لقد بلورت تجربة معايشة الاحتلال بقمعيته، ووحشيته وعيا شاملاً بطبيعة العدو، نقاط ضعفه وقوته، وكلما زادت وحشية الاحتلال وقبضته الحديدية في الضرب والقتل والاعتقال ومصادرة الاراضي والمياه وهدم للمنازل واقتلاع للاشجار واغلاق للجامعات والمدارس والمؤسسات… الخ كمحاولات لتدمير اركان الذات واقتلاع اسباب وجودها، لقد شمل القمع كل فرد واسرة ومؤسسة فوحد القهر مجموع الناس وخلق لديها اهتمامات مشتركة، والمجموع لا يساوي الكل، لانه حتى في منطق الرياضيات فان 1+1 في الحقيقة اكثر من 2، لكنّ احداً من علماء الرياضيات لا يقدر على حساب فائق هذه القيمة، فهي تقف خارج الحساب، وكذلك فان فائض الشعور والاحساس بالقهر والوعي المتراكم بابعاد الذات والخطر الواقع عليها وبالآخر شعوريا أو لا شعوريا يتحول إلى طاقة أكبر من طاقة الكل أو القوة الممثلة ويخلق لديها دوافع واهتمامات مشتركة توحد فيما بينها.
يقول فرويد في هذا المجال: ((ان الوعي بوجود اهتمامات واحدة مشتركة، يولد لدى اعضاء الجماعة شعورا بالوحدة والتضامن، هو اساس قوتها الحقة)) (قلق في الحضارة، الحرب والموت، ص-85)، وتصبح الذات الفردية ممثلا للانا الاعلى والذات الجماعية، وتكتسب قوة أكبر تجعلها في موقع المبادرة، وهذا ما يقوله رديل ايضاً في كتابه (علم النفس الجماعي وتحليل الذات، ص-66)، ((ان جماعة من هذا القبيل هي عدد من الافراد استبدلوا المثل الاعلى للانا بموضوع واحدة بالذات وتوحد بعضهم بالبعض من حيث الانا)).
وفي حالة القهر العام الذي يعيشه افراد الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال تبادر الذات إلى صوت وجودها فتلجأ للعنف الفردي الذي كما اسلفنا اصبح ممثلا للجماعة وللانا الاعلى المتوحد به اصلاً أي قيادته، فتصبح القوة الممسكه للحياة الاجتماعية هي اعتماد الاعضاء بعضهم على بعض وثقتهم بقائدهم)). ((التحليل النفسي والسلوك الجماعي، سول شيد لنجرن ص-65). ولان صور التوحد متنوعة كما يقول فرويد ((فهنالك بجانب التوحد الذي يشكل المرء فيه ذاته وفقاً لموضوع التوحد نمط آخر هو التوحد كوسيلة للتغلب على عداء موجه ضد الموضوع المتوحد به)). بينما يقول سايموندس في كتابه (ديناميات التكيف الاجتماعي، ص-319)، ((إن التوحد يلعب دوراً اساسياً في نمو الشخصية فضلا عن كونه حيلة دفاعية حيال الخطر وهو ما توضحه أنا فرويد (ابنة فرويد) (الانا وآليات الدفاع، ص-121)، اذ تسميه التوحيد الثانوي، ((حيث تقوم الذات بالتوحد المعتدي للسيطرة على ماوفها من الشخص أو الموضوع فتحول من ذات مهدَّدة (بفتح الدال الأولى) إلى ذات مُهدِّدة (بكسر الدال الاولى).
((ويؤكد كل من فرويد وسايموندس بأنّ هذه العمليات عمليات لا شعورية ولا يكون الشخص شاعراً بانه يعدل سلوكه وفقاً لسلوكه الآخ المعتدي ((لأن التهديد الخارجي المفترن بمشاعر العداء والاستعلاء من جانب الاحتلال (المستند للعقيدة اليهودية والايديولوجيا الصهيونية)، والكراهية التي تولدها تجاه الاخر، صارت هي النواه التي تشكل وعي المجتمع الفلسطيني وخيط اساسي في نسيج وحدته وتماسكه.
ومن بديهيات علم النفس انه كلما زاد الضغط على الذات الانسانيةن بخلق توترا عاليا لديها فتتجه للتحرك لابطال مصادر هذا التوتر واستعادة توازنها النفسي فاذا لم تقدر على مواجهة القوة الضاغطة تنتقل حوافز النشاط الحركي العدواني في هذه الحالة إلى اهداف مشابهة بديلة وممكنة (كما تقول انا فرويد ايضاً في المرجع السابق). وهذا ما يحدث في حالة طعن المواطن الفلسطيني بالسكين لأيّ ممن يصادفه من افراد المجتمع الاسرائيلي.
والآن دعونا نحلل ما الذي حدث في الطرف المقابل، لقد كان الشعور بالتفوق من خلال اسطورة شعب الله المختار، عنصراً أساسياً في بنية التراث والعقيدة اليهودية، وأصبحت الاسطورة جزءاً لا يتجزأ من التكوين العقلي حتى لليهودي العادي، تولد لديه افكارا وتقوده إلى ممارسات اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية (مجتمع الغيتو)، والتي لا بد أن تؤدي بالضرورة إلى الاصطدام مع المجتمع المحيط به، ولذلك فان التحليل الجوهري والجدلي لظاهرة الاضطهاد العنصري لليهودي، أو ما سمى بمعاداة السامية، في الحقيقة ما هو إلا رد فعل من جانب الاغلبية نحو الاقلية. أي انه كان اضطهد مضادا، أما الاضطهاد الاصلي فهو الذي كانت تمارسه الاقلية اليهودية وان كان إضطهادا صامتا ومستكيناً عندما كان في موقع الضعف لكنه بعد ان صار في موقع القوة، بع تشكيل الايديولوجية الصهيونية وبعد احتلال فلسطين ونشوء الكيان الاسرائيلي انقلب الضعف إلى قوة والاضطهاد الصامت المستكين تحول إلى اضطهاد وحشي مخيف، كما حدث في المذابح التي ارتكبها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، (فؤاد زكريا، التعصب من زاوية جدلية).
لقد تمحورت الشخصية اليهودية عبر التاريخ حول هذه الاسطورة مما دعا عالما نفسيا مثل فرويد إلى تحليل هذه الشخصية واعتبارها مركبة على ثنائية الشعور بالاضطهاد النابع والملتصق بالشعور بالتفوق والعظمةن في كتابة موسى والتوحيد. ولكن لأن بذرة هذا الشعور اسطورية ووهمية فان الذات بحاجة للدفاع عنها لاثباتها والاقتناع بها، ولذلك أخذ التعصب العنصري اليهودي ثم الصهيوني شكل الانتماء الزائد للجماعة التي ينتمي اليها ووصل حد ارتباطه بها إلى استيعاد الاخرين وكراهيتهم والتعالي عليهم. وقد تفاقم هذا الشعور لدرجة اصبح الاندماج في الاغلبية من افظع الجرائم التي يمكن ان ترتكب في المجتمع اليهودي تماماً كما يبدو السلام الان لهم خيانة للتراث اليهودي ولذلك يصرخ كاتب مثل هليل فايس ((ان كلمة سلام أصبحت أبشع من كلمة حرب)). لقد كان الشعور بالاضهاد ولا يزال جزءاً من القوة الدافعة التي ساعدت اليهود على التماسك والحفاظ على تراثم على مر العصور، وإذا وعينا هذه الحقيقة جيدا فان حالة السام الدائم تشكل خطرا كبيرا على كيان المجتمع الاسرائيلي، واصة إذا وضعنا بالاعتبار التكوين الفسيفسائي الثقافي له.
ان حالة السلام تهدد الدينامية العدوانية النشطة لدى هذا المجتمع كما تهدد تماسكه الداخلي، وتضامنه مع الطوائف اليهودية في الخارج وان المتابع لتصريحات ومخططات القادة اليهود على مر العصور يدرك مدى وعيهم لهذه الحقيقة، ولذلك فان الكيان الاسرائيلي ظل يعيش ويتماسك على اثارة القلاقل والمشاكل من حوله حتى لو تهيأت له اسباب السلام للاحتفاظ بجذوة الاحساس بالخطر منقده على الدوام، ولكن الخطر الذي يخلقه هو ويسيطر عليه بادواته العسكرية المتفوقة.
اما ما حدث في الانتفاضة الفلسطينية، وخاصة في حملة الطعن بالسكاكين، فان الخطر ياتيه من خارجه فعلا هذه المره، وليس من نسيج اوهامه وخططه وخارج حدود سيطرته، يأتيه من شعب بمجموع افراده ومضطهد فعلا. يدافع عن حقه في البقاء وصون ذاته وهويته… ولديه كل اسباب التماسك الذاتي على الرغم مما يبد عليه من ضعف وما لديه من مشاكل حياتيه.
ولان الفرد يتشكل لديه عبر معطيات تراثه ومجتمعه وقيادته نسق عام من الاستجابة الوجدانية والسلوكية هي الطريقة التي يستجيب بها للاحداث والاشخاص، وهو يرتبك وجدانيا عندما يضطر إلى تغيير هذا النسق، فان أي تغيير في العناصر الجماعية مثل قوانين واهداف الجماعة، يؤدي إلى التأثير على الافراد وطريقة سلوكهم، بحيث قد يسلك الفرد العادي مسلكا يبدو غريباً أو مرضياً، بسبب حدوث قلاقل أو تغيرات مباغتة قد تطرأ على القيادة أو الخطط والبرامج العامة، (سول شيدلنجر) الحليل النفسي والسلوك الجماعي ص-15)، وذلك المسلك بحدث نتيجة لاهتزاز تكوين الذات وتوحدها باناها الاعلى.
ان ظاهرة الخوف والرعب في الشارع الاسرائيلي على اثر حملة الطعن بالسكاكين في الاشهر الاولى من هذا العام والتي أصبحت تنتشر من فرد لفرد بفعل العدوى الانفعالية، وحالة الارتباك النفسية من اهتزاز اساس التوحد لديه، وبوجود خطر يهدده من شعب بمجموع افراده هو ضحية فعلا. فهو يرتد إلى التوحد بالتضحية لانها الاعمق في وجدانه وتكوينه النفسي. وبغير سلوكه لا شعوريا فيهرب ويشعر بالذعر. اذ يصبح في حالة توحد نكوصي بالعودة للتوحد بالشخصية المضطهدة (الضحية) كحيلة دفاعية حيال الخطر المحدق به. ولفرويد ملاحظات هامة حول انحلال الجماعات وظاهرة الذعر، فهو يقول: ((ان العامل الأول في حالة الذعر هو اختفاء الروابط اللبيدية التي كانت تهون عليه من شأن الخطر الخارجي أو الصراع الذي تواجهه الجماعة، وان الروابط المتبادلة بين اعضاء الجماعة تختفي باختفاء روابطهم بالقائد سواء بالمعنى الحرفي أو المجازي وتولد لديه الشك في قدره، مما يؤدي إلى ظهور الذعر وعندما يظهر الذعر فانه ينتشر بسرعة عن طريق العدوى الانفعالية، أن الفرد المذعور لا يأبه في الحقيقة الا بمصيره))، (علم نفس الجماعة وتحليل الذات، ص46-49).
وفي ظل عملية السلام وما يحيط به من طروحات واجراءات، والتلكؤ الذي مرت به المفاوضات السياسية ومع استمرار المواجهة بين قوات الاحتلال والانتفاضة الفلسطينية فان المواطن الفلسطيني يزداد قوة وتماسكا في مواجهة الخطر المحدق به. لأن ما يطرح من شعارات حول السلام لا يتناقض في العمق مع مكوناته النفسية من تراث وعقيدة، في حين نجد المواطن الاسرائيلي غير قادر على التماسك لان الخطر يأتي في ظل طروحات واجراءات تناقض في العمق مع اساس تكوينه النفسي من تراث وعقيدة.
ان القيادة الاسرائيلية تدرك لا شك هذ الخطورة، ولكنها لا تستطيع في مواجهة مقاومة مستمرة من الشعب الفلسطيني مهما اتخذت من أشكال بسيطة، وفي ظل متغيرات دولية وعالمية عديدة، الا ان تساير الواقع العالمي الذي اصبح مفتوحا على بعضه بفعل انفجار وسائل الاتصالن بطرح شعار السلام والقيام ببعض الاجراءات التي تتماشى معه.
لقد شكلت العقائد على مر التاريخ الهيكل العظمى للحضارات وكانت في تكونها أو تلاشيها تمثل نقاط الذروة في تاريخ كل امة. وقد أحست الشعوب بفائدة تشكل العقيدة الايمانية وفهمت عن طريق الغريزة أهميتها في بنية مجتمعاتها وحضارتها. ولذلك كما يقول جوستاف لوبون في كتابه (سيكولوجية الجماهير)، لم يكن من العبث أن تدافع الشعوب عن عقائدها بنوع من التعصب، وكم نصبت من المشانق والمحارق في التاريخ، ومات عشرات المجددين والمخترعين في يأسهم المطبق، وانقلب العالم اكثر من مرة، وسقط ملايين البشر من أجل تأسيس هذه العقائد والدفاع عنها أو عندما تبدأ انحلالها.
لكن التاريخ وخاصة ما حدث في السنوات الاخيرة، يثبت لنا أن لا مكان للعقائد الجامدة في طريق صيرورة الحياة الدائمة وانها تتخطاها لتتركها خلفها، وكما تغدى غريزة حب البقاء نشوء العقائد وتماسكها فهي كذلك تكون بذرة إضمحلالها. وليس أمام المجتمع الاسرائيلي وقيادته إلا أن يدرك أن وجود وبقاء الذات مشروط بوجود الآخر المساوي له تماماً، ويعترف بذلك.
ليس هناك من حل امام الانسان الا بعودته إلى وعيه وانعتاق روحه من اشباح الموتى والاوهام التي خلفتها الشعوب لنفسها، فهم الطغاة الحقيقيين للبشرية.