رسالة من تحت الحصار

ماذا أقول لكم؟!. واللغة تقعي عاجزة عن وصف ما يحدث. هل أصف لكم الدم؟ لا يصف الدم إلا الدم نفسه. هل أحدثكم عن الموت؟ والموت يصرخ معلنا” عن نفسه في مدينتي الثالثة، بعد عمان وبيروت وحصارنا الذي لم يتوقف.

ماذا أقول لكم؟. إننا لا ننام من شدة القصف، ولا تغفو عيوننا إلا من شدة الإرهاق والتعب. لا ماء لدينا ولا كهرباء، ونقتصد في استخدام الغاز، كي نظل نعد قهوتنا وندخن. تعلمت التدخين في أيلول وأدمنته في بيروت وأشكر الرب عليه في رام الله، أحتاجه كثيرا” وأعصابي تحترق. كأن القهوة ما تبقى لي من أمتي ولغة أعتني بها كي لايطالها العطب، فاللغة مثل أي شيء معرضة للعطب. 

سأصف لكم المشهد حول بيتي ويومنا الأول، أسكن في ضاحية البيرة تحت مبنى البلدية وجامع العين وخلف مركز الفن الشعبي بمحاذاة بناية البيجو والأبراج الوطنية.  صحوت في الخامسة من صباح يوم الجمعة على صوت هدير وقرقعة، نظرت إلى  اليمين من بيتي رأيت دبابتين، يا للدهشة ، نظرت من الجهة الأخرى تحت بناية البيجو من الخلف على يسارنا رتل من الدبابات على بعد أقل من خمسين مترا”. يا للسخرية، أ إلى هذا الحد بلغ العجز والخوف بشارون على مصيره؟. يزحف بهذا العدد الهائل من الآليات على مدينة صغيرة مثل رام الله، في محيط بيتي الذي لا يزيد قطره عن مائة متر، وفي مدى نظري فقط حوالي خمسة عشر دبابة ومجنزرة. أستفز ني المشهد، كدت أشرب قهوتي فبالتهم على الشرفة. أسمع أصوات إطلاق نار وهدير آليات ومروحيات غير بعيد، أتصل بأصدقاء لاستجلاء الصورة، أكثر من سبعين دبابة وآلية، وآلاف الجنود يحاصرون مقر الأخ أبو عمار ، ينتابني قلق شديد على حياته، حذرني اتصال هاتفي من الخروج أو الاقتراب من النوافذ، فقد استحكم عشرات الجنود في بناية البيجو وربما أيضا” في الأبراج الوطنية، ويستخدمون أسطحها للقنص حيث هي أعلى البنايات في محيطنا. تطل علينا من الشرق مستعمرة بتساجوت التي تكشف معظم أحياء رام الله، وهي لا تبعد عنا أكثر من 500 متر أفقيا”. ربما لذلك ابتعدت معظم المكاتب الحساسة عن منطقتنا ولم يبقى إلا مقر إقليم فتح الذي تعرض للقصف في بداية أيلول الماضي، ووزارة البيئة، وهما في القسم الغربي من بنايتنا، بالإضافة إلى مركز الإعلام ومقرات للهلال الأحمر الفلسطيني. بدأنا نسمع أن الكهرباء انقطعت في معظم أحياء رام الله، تشتد أصوات إطلاق النار والقصف من عدة جهات، هنالك اشتباكات حامية وهم يقتحمون كل البنايات العالية المطلة، يحشرون السكان مهما بلغ عددهم في شقة واحدة، يقطعون خطوط الهاتف ويصادرون الهواتف النقالة يستحكمون في الطوابق العليا ويستخدمون أسطح البنايات للقنص. يستبيحون كل ما في البناية من طعام ونقود وأجهزة، حتى أن بعضهم كسروا حصالات الأطفال وسرقوا ما فيها. حالة من الرعب تنتشر إذ تتناهى إلى أسماع الناس أصوات سماعات  تنادي على الشباب من عمر 15- 50 بتسليم أنفسهم، وعندما لا يفعلوا، يقتحمون البيوت ويعتقلونهم، يكسرون أو يفجروا الأبواب من شدة خوفهم بطريقة همجية، كثيرون منهم كانوا يرتعدون وهم يقتحمون البيوت، تحاول النساء تهدئتهم كي لا يطلقوا النار من شدة خوفهم عن جنب وطرف. بقينا طوال تلك الليلة نتوجس اقتحام بيوتنا لاعتقال الشباب، طلبت من ولدي أن يستعد حتى لا يأخذوه بملابس النوم فالطقس برد، ويحتاط ببعض النقود والدواء. يبدو عليه الخوف وأحس به يرتجف، فهو ليس معتادا” على مواجهتهم وغير مهيأ لمثل هذا الأمر. كان طفلا” صغيرا” في الحصار السابق، فهل أسامح مدير الأكاديمية، أكاديمية للفنون يقودها نظام عسكري. 

هذا اليوم الثاني، فماذا أقول لكم ؟ ينهمر المطر غزيرا” ويتساقط حب البرد كأنه الغضب، يواصل المنخفض الجوي سيره رغم إعلانهم عن انتهائه قبل أمس، وينتشر الضباب كأنه ينافس أر تال الدبابات في احتلال المدينة، فلم تعد تشاهد في مدى النظر. أعد قهوتي وأستمع لما تيسر من الأخبار فقد انقطعت الكهرباء عندنا، لا داعي لترتيب السرير فقد لا أحتاجه بعد الليلة الماضية، سأترك ولدي نائما” أطول مدة ممكنة، أخفف الضغط على أعصابه والوضع يزداد خطورة ساعة بعد ساعة. تتناوب أصوات إطلاق النار من عيار ثقيل وقصف مدفعي مع أصوات رشاشات خفيفة، الاقتحامات والتفجيرات مستمرة، وفرق الإسعاف والإغاثة الطبية تمنع من الوصول للجرحى ونقل الشهداء الذين يصعب حصر أماكنهم وعددهم. يحاصرون المستشفيات وهي تنادي على حاجتها إلى الدم. يتصاعد القلق بين الناس على حياة أبو عمار، البعض بدأ يكتشف أنه قائد فذ. انهم يقطعون عنه الماء والكهرباء، وينفذ من عنده الغذاء والدواء. يا للعمى والحمق، هل علينا أن نموت كي تعرفونا؟. فقط عندما يذبح الفلسطيني وينهمر دمه يحبونه، يريدونه قتيلا” أو طريدا، يصفقون له وهو يقاتل بلحمه ليغطوا عجزهم، يمتطون جملهم الرنانة ويستعدون لمشهد اللطم والندب. 

نتواصل مجموعة من النساء من بيوت متقاربة، لعلنا نستطيع السير إلى المقاطعة، لكننا لم نتمكن، تأتي أخبار إعدام مجموعة من رجال الأمن، وأنهم منعوا فرق السلام الأوروبية من الوصول لمقر أبو عمار، وهم يطلقون النار على أي حركة. نتصل لنطمئن على بعضنا كلما علمنا باقتحام الجنود لمنطقة ما، وكل من لا يرد هاتفه يكون الجنود قد فرضوا ضيافتهم عليه. نمسي ونصبح على خيفة وقلق. صمت مريب حولنا وقاطب. 

أقول لكم ما يحزننا، شارون ليس وحده الذي يقتلنا، أقول لكم، وقد يغدو كلامي وصية : 

قتلنا صمتكم طويلا طويلا.

قتلنا عواء كلابكم وفحيح أفاعيكم. 

قتلنا تمجيدكم للادعاء والكذب.

قتلنا الجهل والكسل الفكري وعقل أمة أصابه العطب.

قتلنا الفكر الأحادي المحنط. 

قتلنا القمع وقلة الغضب.

قتلنا فساد خطابكم وتصفيقكم للغلط. 

لقد قتلنا بالغلط.

اليوم الثالث أو الرابع، لم أعد أدري فما جدوى العد؟ كل الأيام مثل بعضها، لم تعد تزقزق عصافير رام الله صباحا”، حتى العصافير تحتجب، أقوم ببعض التمارين، أرتب المكان ما تيسر وأعد لنا طعاما” بقليل من الماء. أملأ الماء من بيت جارتي التي هربت وزوجها في بداية الانتفاضة. علينا أن نحافظ على أجسامنا وأرواحنا أنيقة مشرئبة لمدة أطول، لن يكسرونا، أنفض الغبار عن لغتي فهي كل ما يتبقى منا. اليوم نسمع أن طلبة جامعة الزقازيق نظموا مظاهرة غاضبة في الحرم الجامعي وحاولوا الخروج إلى الشارع. 

جارتنا أم يوسف ترسل لنا خبر، تعجن وتخبز في بيتها على أقل من مرمى حجر. فرق الإغاثة من كل الأنواع تعلن عن أرقام هواتف نقالة للاتصال بها عند الحاجة. إغاثة طبية ونفسية وتموينية..الخ، تستعين بسيارات عليها شارات دولية ويقودها أفراد من طواقم السلام. ومنظمات حقوق الإنسان والأسرى، تعلن أيضا” ضرورة الإبلاغ فورا” عن المعتقلين، للمتابعة بشأنهم مع الهيئات الدولية. ألم أقل لكم؟ لن يكسرونا، ولن يتمكنوا أبدا” من همة وحيوية هذا الشعب. أشعر بالقوة معه.

منتصف الليل، ما بين اليوم الثالث والرابع على ما أعتقد، أشاهد الأخبار وولدي يسلي نفسه بالعزف، يدندن قلقه على أوتار الغيتار، يقترب هدير الدبابات منا، نتوجس خيفة كلما أقترب الصوت أكثر ونتأهب، يقرع الجرس من أسفل البناية، فنضغط على ألزر،  لا داعي أن نمنحهم وقتا” كي يفجروا الباب. ننتظرهم بتوجس شديد وقلق. تمر برهة لا أدري طولها، و لا يأتون، أتصل بالحارس ، فترد زوجته بصوت يرتعد، أخذوه ليفتح لهم باب الوزارة وتغلق الخط، أفهم أن الجنود عندها، وهي تقصد بالوزارة وزارة البيئة، ولم تجرؤ أن تذكر أمامهم مكتب إقليم فتح، يضاء كل القسم الغربي من بنايتنا ونسمع أصوات خبط وتكسير، حركات عنيفة وضجة، وأصوات عدد كبير من الجنود تتجول من أسفل البناية لأعلاها، وفجأة ينقطع بث الدش/الستالايت. لا نعرف تماما” ما الذي يحدث، وما الخطوة التالية.

يرتدي ولدي ملابسه، يحمل هويته وجواز سفره الأردني والدواء. أشعر بقلبه بين ضلوعه يرتجف، أكاد أسمع صوت نبضه، فهو حديث العهد بالبلد وغير معتاد على ما يحدث، مشهد الاعتقال مألوف للشباب هنا ومتوقع، لكن أحدا” لا يستطيع أن يتنبأ بتصرفات هؤلاء الجنود، فقد يكونوا شرسين ويقتلون لأقل استفزاز، وقد يفتشون المكان بشكل عادي ويعتقلون كل الرجال أو الشباب منهم فقط، وقد يحتجزون كل الأسرة ويستخدمون المكان، وقد ..وقد. بقينا هكذا حتى بزغ الصبح، ..هدأت الأصوات وسمعنا حركة الآليات تبتعد. علمنا فيما بعد، أنهم حطموا كل شيء وسرقوا الأجهزة. 

في اليوم التالي، وبعد تحطيم الدش، لم يتبقى لنا من اتصال بالحياة الخارجية إلا قناة المهد. فلسطين هي البلد العربي الوحيد الذي يتمتع بعدد كبير من القنوات التلفزيونية والإذاعية الخاصة (غير الرسمية). وقد احتل الجنود وحطموا كل القنوات المحلية الأخرى. وهم يحشدون لاجتياح بيت لحم، ومهما قاومت سوف يحتلونها. أكثر من 2000 دبابة وآلية تنتشر في مدن وقرى ومخيمات الضفة. لعلهم لم يستخدموا مثل هذا العدد في حروبهم مع البلاد العربية. هكذا، يكشف شارون عن عجزه وفشله. 

يشتد القلق على حياة أبو عمار، ونعلم أنه طلب من بعض مستشاريه أن يغادروا المقاطعة للعمل، يبقى هو بعص المستشارين ومرافقيه وحرسه الخاص وبعض الموجودين بالغلط، نعلم أن أجزاء كبيرة من المكان قد دمرت، وقطعت خطوط الهاتف. والتصريحات الحاقدة والغبية لشارون تثير القلق. من يستطيع أن يتوقع أو يتنبأ بما في رأس مجرم حرب مهووس بالقتل؟ كأنه يؤجل سقوطه أطول وقت ممكن ليقتل أكثر. 

بعد الظهر، نتنفس الصعداء فقد تمكن مجموعة من فرق السلام من الوصول للمقاطعة ويصرون على البقاء كدرع بشري لحماية أبو عمار. الحمد لله، أخيرا” تمكنوا من الوصول إليه، انهم يحاولون منذ اليوم الأول.

تتوالى المظاهرات في جامعات مصر ومدارسها ثم في الأردن ولبنان، نلتقط أنفاسنا ونرتاح لهذه التحركات، نتابعها بين مشاهد التدمير والقتل. لا تصحو الأمة إلا على دمنا، هذا هو دمنا، لكم دمنا. تتزايد الاستنكارات والاحتجاجات على ما يحدث للشعب الفلسطيني ورئيسه الشرعي المنتخب، تعم أرجاء الوطن العربي وفي فرنسا والعواصم الأوروبية وواشنطن. 

تتوالى اتصالات الأصدقاء من الخارج يطمئنون علينا، يطلب بعضهم أن أكتب لهم من قلب الحصار، وهل للحصار قلب؟ حسنا” سأرسل لكم مما أكتب ولكن من تحت الحصار أو من وسط الحصار، كي يبقى للكلمات معناها، ولا تفسد أكثر. 

في اليوم الخامس، نعلم عن رفع لمنع التجول، نتواصل مجموعة النساء ببعضنا لنتحرك، و لكن إلى أين؟ الكل بحاجة للتزود بالمؤن و الأدوية، و تفقد أماكن الشهداء لنقلهم، لم يعد في ثلاجة المستشفى متسع، الوصول إلى مقر أبو عمار أصبح مستحيلا بعد أن أحاطوه بالأسلاك الشائكة إضافة لآلاف الجنود و عشرات الدبابات. هل نذهب إلى المنارة ؟ المكان التقليدي للتجمع، لم يعد ذلك مجديا، نتوجه إلى المستشفى، لعلنا نفيد هناك. أصل إلى المستشفى بصعوبة و أنا قلقة على الوقت، لقد حفروا معظم الشوارع حولنا، و أسمع أصوات قنص. أمام المستشفى كانوا يدفنون الشهداء في قبر جماعي، هتفنا لفلسطين بكينا أمة العرب و أشتد القنص، قال شباب المستشفى، غادرن بسرعة`، فنحن بالكاد نتدبر أمورنا ولدينا في كل شيء نقص. تذكرت يوم أن قال لي د. محجوب عمر بعد أن وصلت للمستشفى زحفا علني أساعدهم بإسعاف الجرحى، اذهبي لطفلك فنحن لم يعد لدينا ما نساعدهم به، ننتظر موتهم فقط. سنبني من جثث الشهداء متراسا” أمام مدخل المستشفى لحماية من تبقى حيا” من شظايا القصف. للمرة الثالثة أشهد دفنا جماعيا، ترى كم سأتحمل بعد.

كانوا قد أعلنوا عن رفع منع التجول من الثالثة وحتى السادسة، ولم نعلم إلا الثالثة والنصف بتوقيتنا، لكنه بدأ وانتهى بتوقيتهم، أي في الخامسة، أضبطوا ساعاتكم على توقيت إسرائيل أيها العرب، بعد أن صادرت منكم زمانكم، اضبطوا ساعاتكم على وقت شارون يا حكام العرب.

اليوم هو الأربعاء، لم نغفو ليلة أمس من شدة  القصف والاشتباكات في مبنى الأمن الوقائي، واستمر القصف حتى ما بعد الظهر. في رام الله  يستمر مسلسل المداهمات والاعتقال والتنكيل، ونسمع أصوات اشتباكات متفرقة وأصوات تفجير وقصف.

 اليوم يشرعون باجتياح مدينة بيت لحم وجامع عمر بن الخطاب يحترق , ويحاصرون كنيسة المهد. يحكمون الحصار حول جنين ومخيمها، ويحشدون حول نابلس .

سيجدون صعوبة في اجتياح مخيم جنين ومدينة نابلس فطبيعة المكان تساعد الشباب على المقاومة لمدة أطول،  نابلس مدينة جبلية والمخيمات طرقها ضيقة وكان لدى الشباب بعض الوقت للتأهب. نفس المشاهد تتكرر صعوبة الوصول للجرحى والشهداء في الشوارع والبيوت. كل مدينة تقاوم حتى الرمق الأخير وشارون يصرح بإبعاد أبو عمار بشروط سخيفة، القائد اتخذ قراره من اللحظة  الأولى، المقاومة حتى النصر أو الشهادة، وكل شعبه معه يتخذ ذات الموقف .

أطمئنكم، بل أبشركم بخلاصة الموقف، شارون مجرم حرب يعلن بهذا  الاجتياح الواسع عن عجزه، وسيفشل مرة أخرى. وهذا الشعب لن يستسلم ،سيظل يقاوم احتلاله ، ولابد للثور الهائج أن يتعب ويتوقف، وسيكتشف انه لم ولن يحقق شيئا مما أراد، سنقاوم احتلاله إلى الأبد.

يستطيع شارون وحكومته المجرمة أن يدمر ويقتل المئات، يستطيع أن يعتقل الآلاف، وأي وقت لم يدمر فيه ويعتقل ؟ انه يوجعنا ويؤلمنا نعم ، لكنه أبدا” لن يكسر إرادة هذا الشعب، فلا شيء ولا قوة تكسر إرادة شعب يصر على نيل حريته واستقلاله، وصون لغته الأم. ليس صحيحا أن شارون مثل هتلر أو نيرون أو هولاكو،  فتشبيهكم غلط، لقد طغى كل هؤلاء في زمن لم تكن به شرائع دولية ولا أمما تتجمع. 

اتصل بي أصدقاء من مصر، يفكرون أن يأتوا كوفد صحافي ليعتصموا مع أبو عمار، لقد تأخرتم كثيرا يا اخوتي، فهم يطردون حتى الفرنسين الآن ، لقد تأخرتم كثيرا يا اخوتي، فأنتم لم تميزوا بين فلسطين وإسرائيل، وخشيتم على أنفسكم من التلوث برائحة العدو، كيف لكم أن  تميزوا ؟ ولم تميزوا من قبل بين الفلسطيني الذي بقي في أرضه وبين الإسرائيلي فيها، كيف لكم أن تميزوا؟ وقد فسد الخطاب وأغرق في الغلط. سامحكم الله ، تظلون اخوتي فهل يخرج الظفر من اللحم ؟ هل يقدر المرء أن ينتزع جلده؟ أو يتخلص من لحمه ودمه؟ وتعلمون إنني نأيت بنفسي عن فساد اللغة، وظللت أرعاها من التلوث و العطب، ولطالما رأيتها تترعرع بين الناس تسير عفية، قصائد تركض مع الأطفال والشهداء وفي عب النساء. لا يعرف معنى السلم يا اخوتي إلا من خاض الحرب. 

اليوم السادس والسابع ، كل شيء يتكرر بوقاحة مزرية، ونحن نعتاد  على ما يحدث،  ننام ونصحو على أصوات التفجير والقصف، تروح وتأتي الدبابات في أوقاتها مثل عادة سيئة، نمارس حياتنا بأكبر قدر ممكن، ونستعد للمداهمات.  لقد كسرنا الخوف، وعادت الحمائم والعصافير إلى شباكي ولم تعد تخشى القصف. نتقن العيش على كيلة من الماء وكسرة من الخبز أو ما يشبه. ما أجمل ربيع رام الله من شق نافذتي والحنون منتشر. هنيهة الحياة تحلو في وقت الخطر، تضيء حبة البندورة مثل شمس وحبة البطاطا صارت قمر. لا يعرف طعم الحياة إلا من كابد الخطر، ولم يتقهقر. هذا حصاري الثالث، وأستطيع الآن أن أدرس فن  الحياة في جوف الموت. ما بالكم بختيار خاض كل حروبنا شامخا” كطود؟.

تأتينا ا لأنباء : السفاح يغوص في الدم، في بيت لحم، في مخيم جنين والمدينة، وفي نابلس، بطولات الشباب تلقنه الدرس، وتغرقه في دمها. يسطرون بأرواحهم ملحمة جديدة. ومن المحيط إلى الخليج يتصاعد الغضب، وفي أطراف الدنيا. تأتي الوفود الأوروبية وتذهب، لن يتوقف السفاح عار شعبه، إلا بأمر من ربة الحرب و الإرهاب أمريكا. 

اليوم الثامن، أخيرا” تمكن عمال الماء والكهرباء من تصليح الشبكة في حينا، لنتحرك بسرعة قبل أن تهرسها الدبابات مرة أخرى. سقينا نباتات الشرفة، تحممنا وغسلنا وطبخنا، كأن اليوم وقفة، نعم انه الوقفة، ويوم العيد آت، قد يتأخر بعض الوقت، لكنه آت، هكذا تقول النبوءة. 

علي أن أنهي رسالتي قبل أن تذهب الكهرباء، ولكم تحية شوق ومحبة، إلى الأهل في الأردن، أخص أهلي في الكرك. مدينتي التي أحب، من نسجت روحي بهوائها ومائها، من ترابها وعج أزقتها، بعنفوان أهلها وسماحة روحها، من كلامها البسيط الطيب العذب. الفاتحة لروحي أمي وأبي لما زرعاه في من حب وغضب. 

للعلم فقط : مدينة رام الله، أسسها قبل حوالي خمسمائة عام مسيحي من الكرك، فر غرب النهر بحماية كركي مسلم، من بطش شيخ متسلط. كانت الكرك آنذاك هي البلد. وها أنا أعيد الكرة، فسلاما” يا أهلي، ووداعا” أيها الأصدقاء.

أضف تعليق