المرأة الفلسطينية والعمل السياسي

منذ بدايات المؤامرة على ارض فلسطين وشعبها، وصدور وعد بلفور المشؤوم عام 1917، بادرت النساء الفلسطينيات إلى المشاركة في النضال الوطني فنزلت إلى الشوارع في المسيرات الشعبية الاحتجاجية على وعد بلفور عام 1920، وضد الانتداب البريطاني. وبدأت تنظم صفوفها في عام 1921 في إطار الاتحاد النسائي العربي،وشكلت له فروعا في القدس، وحيفا، ونابلس وغيرها من المدن الفلسطينية، وقامت بتشكيل فرق لجمع التبرعات وشراء الأسلحة لتزويد المقاتلين.. كما قامت النساء في القرى بتوصيل الرسائل والمؤن والذخائر إلى الفدائيين في الجبال.. ولم تكتف المرأة بذلك، وإنما شاركت في القتال وسقطت العديد من الشهيدات مثل عائشة أبو حسن وشاويك حسين وغربة محمد سلامة وجميله الازعر في ثورة 1929،1930 وفاطمة غزال التي استشهدت في معركة قرب جنين أثناء ثورة 1936. كما قامت المرأة بعقد المؤتمرات وتسيير المظاهرات وتشكيل الوفود وإرسال المذكرات إلى المندوب السامي وإلى عصبة الأمم.  وفي أحداث 1947-1948 شكلت المرأة الفلسطينية فرق الإسعاف الميدانية لمرافقة الثوار مثل فرقة “زهره الأقحوان” و”جمعية التضامن النسائي” واستشهدت اثناء العمل الميداني العديد من النساء، جولييت نايف زكا وحياة البلبيسي، وكذلك جميلة احمد صلاح وذيبه عطيه اللتين استشهدتا أثناء توزيع الذخيرة على المقاتلين. وحلوه زيدان التي استشهدت وهي تقاتل في المعركة ببندقية والدها التي استشهد قبلها،  ضاربة أروع مثل للبطولة. لم تخف المرأة الفلسطينية ولم تفزع، بل شاركت بجميع مجالات العمل، وكانت وهي ترافق المقاتلين يغطي صوت زغاريدها على الصوت الرصاص والمدافع. 

و بعد أن سقطت فلسطين في أيدي الصهاينه بعد نكبة عام 1948 لم تتوقف النساء الفلسطينيات عن العمل فأسست الجمعيات التي ترعى أطفال الشهداء وعائلاتهم. كما بدأت تنخرط في الأحزاب العربية أينما تواجدت في عقد الخمسينات وحتى منتصف الستينات ، ولعبت دورا أساسيا في رعاية لأسره الفلسطينية وحضانة الوجدان الوطني والقومي للأجيال الجديدة والمتعاقبة.

وهكذا ومنذ بدايات القرن العشرين وبدء المؤامرة الصهيونية على الشعب الفلسطيني، وبالرغم من الظروف الاجتماعية الصعبة المحيطة بالمرأة من آثار عهود الاستعمار والتخلف، بادرت نساء فلسطين إلى تنظيم صفوفها، وشاركت في مختلف مجالات العمل الوطني، وقد أعطت لكل مرحلة نضالية حقها، بابتكار أشكال العمل المناسبة لمواجهة احتياجات ومطالب شعبها.

 وفي الستينات وبعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، عقدت المرأة الفلسطينية مؤتمرا في القدس ضم ممثلات عن النساء الفلسطينيات من جميع البلاد العربية وشكل انطلاقة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، الذي حدد أهدافه ومهماته للعمل بين صفوف النساء الفلسطينيات في فلسطين والمنافي، من اجل تعبئة الطاقات النسائية وتنظيم صفوفها للعمل في مواجهة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها الأسر الفلسطينية وتنمية قدراتها وتطوير مهاراتها من اجل المشاركة في النضال الوطني في جميع المجالات الثقافية والسياسية والعسكريه، حتى بلغت نسبة مشاركة المرأة في المجلس الوطني الفلسطيني حوالي 10 %  عام 1980. كما عملت في محو الأمية بين النساء وتأسيس الرياض والحضانات وتأهيل المرأة للعمل للاعتماد على نفسها كربة أسره معرضة لفقد معيلها بالاستشهاد أو الاعتقال.

ولقد جاءت مشاركة المرأة في الانتفاضة المجيدة للشعب الفلسطيني عام 1987، تتويجا لنضالاتها على مدى العقود السابقة من خلال مشاركتها في لجان الأحياء والقيام بأعمال التكافل الاجتماعي وتطوير العمل المنزلي إلى نواة مركزية لاقتصاد وطني ساعد في نجاح قرار مقاطعة البضائع الإسرائيلية ولم تكتفي النساء بذلك بل انخرطت في التظاهرات الإحتجاجيه والمواجهات مع قوات الاحتلال. لقد طورت المرأة الفلسطينية أشكال نضالها في كل مرحله من مراحل النضال الوطني وبادرت بحساسيه بالغة للقيام بالدور الضروري واللازم للمعركة التي يخوضها شعبنا الفلسطيني.

ومنذ الأيام الأولى لانتفاضة الأقصى هرعت النساء الفلسطينيات للنزول للشوارع معبرة عن احتجاجها وغضبها على الغطرسة الإسرائيلية، ثم بدأت في تنظيم صفوفها حيث قام الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية مع كافة الهيئات والمنظمات النسائية بعقد الاجتماعات من اجل تحديد المهام وتنسيق الجهود لتعبئة وتنظيم الطاقات النسائية، وتشكيل لجان مركزية للإغاثة (الصحية والتموينية) وللإعلام والتعبئة، كما بدأت بتشكيل لجان من عضوات الاتحاد والمنظمات النسائية والمتطوعات من النساء في الأحياء المختلفة، من اجل رصد احتياجات المواطنين في الأحياء وتأمين المواد والمعلومات والمهارات اللازمة لها من أجل سد احتياجاتها وتعزيز صمودها وتطوير مشاركتها الشعبية في فعاليات الانتفاضة.

لقد قامت المرأة الفلسطينية بدورها في المراحل المختلفة وهي تقدم القضية الوطنية على قضيتها الاجتماعية. إلا أنها مع بداية دخول منظمة تحرير فلسطين عملية السلام وبعد دخول السلطة الوطنية حيث بدأت تلوح في الأفق إمكانية نشوء دولة فلسطينية، بادرت لإعداد وثيقة مبادئ تدعو لصون حقوق المرأة في القوانين والتشريعات وانخرطت في حملات نسائية ووطنية للمشاركة في وضع التعديلات والاقتراحات على مشاريع القوانين والتشريعات، لضمان حق المرأة بالمساواة، وخاضت  معترك  أول انتخابات تشريعية. إلا أن نتائج هذه الانتخابات بوصول خمسة نساء فقط لعضوية المجلس التشريعي، أي بنسبة 6و5 % من أعضاء المجلس. وبالرغم من المساواة بين المرأة والرجل التي نص عليها قانون الانتخاب، فقد تدنت نسبة تمثيل المرأة في المجلس التشريعي عام 1996 عن نسبة تمثيلها في المجلس الوطني التي وصلت إلى حوالي 10 % منذ عام 1980.

إن ضمان حقوق متساوية للنساء ليس ترفاً وإنما هو ضرورة تنموية، إذ أن استمرار التمييز ضد المرأة يؤدي إلى هدر كبير في طاقة المجتمع المادية والمعنوية، ويقف عقبة أمام خطط التنمية المستدامة. ولذلك قامت الأمم المتحدة بتكريس الربع الأخير من القرن العشرين لعقد الؤتمرات الدولية ووضع البرامج ورصد الموازنات من أجل النهوض بأوضاع المرأة. 

والمجتمع الفلسطيني الذي يتعرض باستمرار لإجراءات الاحتلال التدميرية أحوج ما يكون لكل طاقته البشرية، ليتمكن من الصمود وإعادة البناء للتأسيس لدولة ديمقراطية لجميع مواطنيها. 

ولذلك قام الاتحاد العام للمرأة مع جميع المنظمات النسائية ومنذ أواخر العام الماضي 2002 ، وبمشاركة منظمات المجتمع المدني (الأحزاب والقوى السياسية والمنظمات الأهلية)، بإطلاق حملة وطنية لتطوير مشاركة المرأة في الانتخابات وفي مواقع صنع القرار. وبناءً على تجربة النساء في الانتخابات الماضية عام 1996، تطالب الحملة بتعديل قوانين الانتخاب الفلسطينية وتبني مبدأ التدخل الإيجابي ( كوتا ) بتخصيص نسبة لا تقل عن20 % من مقاعد المجلس التشريعي، ونسبة 30 % من عضوية المجالس المحلية، كأجراء مؤقت من أجل التعجيل بالمساواة التي ينص عليها القانون الأساسي الفلسطيني.

أضف تعليق