هل يوجد فكر نسوي فلسطيني؟ وما هي ملامحه؟

يحمل السؤال في طياته شكاً حول وجود فكر نسوي فلسطيني، كما يحتمل  وجود مثل هذا الفكر. وبرأي أنه يمكن القول بأن هنالك فكر نسائي بالضرورة في فلسطين وإن كان غير متبلور في ما يمكن أن يطلق عليه نظرية خاصة بالنساء الفلسطينيات، إذا كان هذا هو المقصود من السؤال. لأ نه وببساطة لا يمكن وجود فكر نسوي فلسطيني خاص حيث أن الفكر ظاهرة إنسانية لا ترتبط بمكان محدد، وبذلك فهو لا ينتسب لمكان معين أو جماعة إنسانية معينة. ولا يمكن القول بأن هنالك فكر نسوي فلسطيني وفكر نسوي مصري أو فكر نسوي إنجليزي…الخ، وخاصة عندما يكون الأمر متعلقاً بالمرأة. حيث قضية المرأة قضية إنسانية تمتد جذورها عبر التاريخ البشري، ومرتبطة بنشوء وتطور المجتمع الأبوي، وتكاد أن تكون مشتركة في جميع أنحاء العالم، رغم وجود بعض الاختلافات الثقافية هنا أوهناك. 

يضاف إلى ذلك أن من الصعب على النساء الفلسطينيات بلورة فكر نسوي واضح مشترك بين أطراف الحركة النسائيةخاص بالمرأة الفلسطينية لأن مثل هذا النتاج الفكري يتم عبر تراكم نتائج عمليات طويلة ومركبة من الصعب الوصول إليها في ظروف الاحتلال وعدم الاستقرار التي يعيشها المجتمع الفلسطيني والنساء الفلسطينيات، والتي لا تؤثر على تطور فكر النساء وحسب وإنما على الفكر الفلسطيني بشكل عام.

ولمتابعة نشوء وتطور فكر النساء في فلسطين لابد من تعريف ما أقصد بمصطلح الفكر باعتباره أحد خصائص الإنسان والنتاج الأرقى للدماغ البشري القادر على النظر بعمق في حركة وظواهر الحياة الإنسانية وعلاقة هذه الظواهر بطبائع وسلوكيات الإنسان فيها كفرد وكجماعة، من خلال عمليات الاستيعاب والتحليل والاختزال والتجريد والترميز والتمثيل والتخيل، مما يمكن الإنسان من صياغة المشكلات ووضع الفرضيات واقتراح الحلول وغير ذلك من العمليات الذهنية المعقدة، يعبر عنها الإنسان بالعمل والكلام واللغة اللفظية وغير اللفظية، ورغم أن هذا الفكر له محددات فسيولوجية إلا أنه يرتبط أيضاً بظروف نشأة وتطور المجتمع.

وعند ما أقر بوجود فكر نسائي/ نسوي في فلسطين ذلك لأن الفكر موجود بالضرورة في كل حراك إنساني قامت به النساء الفلسطينيات. انطلاقاً من هذا التعريف للفكر حيث لا يمكن وجود حراك إنساني بدون فكرة مرتبطة به، سواء كان ذلك بشكل واع أو لا واع. وأن كل فكرة لا ينبثق عنها أو يرافقها فعل إنساني تذوي وتصبح فكرة عقيمة لا جدوى منها، حتى لو وضعت في نص محكم. ولذلك فقد انحزت في مسيرة حياتي للفكر العملي المتاح لغالبية أفراد المجتمع، ما يمكن أن يطلق عليه النظرية المتحركة أو المتنقلة ( نظرية تمشي بين الناس ).

ويتضح هذا الفهم لطبيعة الفكر النسائي والنسوي الفلسطيني من خلال تتبع نشأة وتطور الحراك النسائي الفلسطيني، منذ بدايات القرن العشرين. عندما بادرت النساء للمشاركة في الحراك الوطني في وقت لا يزال المجتمع العربي برمته يرزح تحت نظرة الحريم بتأثير طول عهد الحكم  العثماني، في وقت لم يكن المجتمع بعد يطالب النساء بمثل هذا الحراك. ألم يتضمن هذا الحراك فكرة انبثقت في أذهان مجموعة من النساء اللواتي عايشن الأحداث التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني، بعد صدور وعد بلفور وتزايد الهجرة الصهيونية إلى فلسطين وفكرن بالمشاركة كتعبير عن الإحساس بالمسؤولية تجاه الخطر المحدق بالأرض والمجتمع الفلسطيني. وعبر مراحل النضال الفلسطيني نجد أن النساء تمكن في كل مرحلة من ابتكار أشكال العمل المناسبة للدفاع عن حقوق الشعب وحماية المجتمع من المشاكل الناتجة عن الصراع الذي انفجر في فلسطين في الثلاثينات والأربعينات وبعد النكبة عام 1948، ثم في الخمسينات، وخلال انطلاق وتطور الكفاح الفلسطيني المعاصر وحتى ما بعد دخول منظمة التحرير الفلسطينية إلى فلسطين وإنشاء السلطة الوطنية على جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

وقد جاءت المشاركة النسائية غالباً بمبادرة من النساء ( كما تبين لي في دراسة ” مقدمات حول واقع المرأة وتجربتها في الثورة الفلسطينية”، من إعدادي، 1975 ) وكتعبير واضح وقوي عن شعور النساء بالمسؤولية، وهي سمة من سمات الفكر النسائي بشكل عام. ولو راجعنا حركات وأفكار النساء في مناطق ومجتمعات أخرى من العالم، لوجدنا انها تنطلق غالباً من الإحساس بالمسؤولية، وتلبية لحاجات إنسانية ومجتمعية، ولكن ما أن  تبادر النساء بالعمل والمشاركة، حتى تبدأ تصطدم بالفكر التقليدي النمطي الذي يحدد للمرأة مواصفات وأدوار محددة لا يجوز الخروج عنها، إلا في حالات الضرورة الملحة مثل وجود خطر يتهدد البلاد أو المجتمع وحتى يزول ذلك الخطر، ( في الحروب والأزمات الاقتصادية ). وغالباً ما كانت المجتمعات ببنيتها الأبوية الذكورية تقلل من أهمية الدور الذي قامت به النساء بعد زوال الخطر.مما يوقظ وعي النساء بالتمييز والقهر. 

كان هذا النوع من التفكير النسائي العملي هو المحرك الأساسي للأدوار التي قامت بها النساء الفلسطينيات تحت الاحتلال كما في المنافي، ورغم وجود بدايات تفكير نسوي يطرح قضايا التمييز ضد المراة والاضطهاد المزدوج الذي تعاني منه النساء في المجتمع الأبوي، وضرورة تحرير المرأة ضمن عملية التحرر الوطني منذ بداية انخراط النساء في صفوف النضال الوطني، إلا أنها بقيت أصوات خافتة لم تتمكن من أن تبلور رؤية قادرة على التحقق في برنامج عملي، الأمر الذي بدأ يتحقق بعد دخول منظمة التحرير الفلسطينية في عملية السلام، وبروز إمكانية لنشوء كيان فلسطيني على أرض الوطن. ومع نشوء مؤسسات السلطة الوطنية في فلسطين، بدأت النساء تطرح قضايا تحرير ومساواة المرأة بالفم الملآن، ليس من أجل المشاركة في البناء وحسب وإنما في كافة الحقوق والواجبات، ولإدماج النظرة الخاصة للنساء في بنية مؤسسات المجتمع وفي تمكين النساء ضمن العملية التنموية، وظهر عدد من المنظمات الأهلية النسائية المتخصصة في الدراسات النسوية وفي الدفاع عن حقوق المرأة ومناهضة التمييز والعنف الواقع ضدها.

من الاشكاليات الواجب تناولها أيضاً في هذا السياق، هي التمييز الواقع بين كل من تعبير الفكر النسائي والفكر النسوي، حيث جرت العادة بين الحركات النسائية في بلادنا العربية كما في مناطق أخرى من العالم، بأن الفكر النسائي هو الفكر الصادر عن النساء ولا يرتبط بالضرورة بالخصوصية التاريخية للنساء. وأن الفكر النسوي هو الفكر المرتبط بالخصوصية التاريخية للنساء ولا يكون بالضرورة صادراً عن نساء. ولكن ألا ينبثق الفكر النسائي بشقيه العملي والنظري من طريقة خاصة للنساء في التفكير والعمل حتى وإن لم يقمن بصياغة هذه الطريقة في نص نظري، وهي الإحساس بالمسؤولية تجاه الحياة والمجتمع. وبرأي أن هذا النوع من التمييز بين الفكر النسائي والفكر النسوي نابع من النظرة الفوقية للغالبية العظمى من النساء اللاتي ساهمن في التفكير بقضايا المرأة والمجتمع ومتأثر بهيمنة الفكر الأبوي الذكوري على مناحي الفكر والعمل، مما لم يساعد في بلورة خطاب نسوي في فلسطين يشكل إضافة نوعية في الفكر النسوي العربي. بل أنهن غالباً ما ينجرفن خلف الانقسامات السياسية بدلاً من المبادرة لتطوير رؤيتهن الخاصة في أشكال الصراع المختلفة حول القضية الفلسطينية.

جواب السؤال : هل هنالك نساء فلسطينيات مفكرات؟ 

يمكن من وجهة نظري اعتبار جميع النساء الرائدات اللاتي بادرن لشق طريق أمام النساء في كل مجال من المجالات مفكرات بالتعبير العملي للتفكير، وكذلك اللواتي طرحن قضايا المرأة للنقاش والحوار الوطني ومن بادرن للبحث في قضايا المرأة في المجتمع وانبرين للدفاع عن حقها في الكرامة الانسانية والمطالبة بحقوقها الإنسانية كاملة. جميع هؤلاء النساء ساهمن في وضع اللبنات الأولى لما يمكن أن نطلق عليه الخطاب النسوي الفلسطيني.

ولكن باعتبار الكتابة التعبير الأهم عن الفكر، فإننا نستطيع تتبع تطور فكر النساء الفلسطينيات بشكل أدق، من خلال بحث بيبلوغرافيا المرأة الفلسطينية الذي قمت بإعداده بدعم من مركز المرأة العربية للبحوث والتدريب في تونس، وقد تم إعداده على مرحلتين : المرحلة الأولى تغطي مراحل الستينات والسبعينات وحتى بدايات العام 1995، والمرحلة الثانية تغطي الأعوام مابين 1995- وحتى بدايات العام 2002 ، 

 تبين من خلال هذا البحث مدى ندرة الكتابات حول المرأة من قبل النساء الفلسطينيات ما قبل عقد الستينات باستثناء بعض الكتابات القليلة الوجدانية حول المرأة البطلة أو عن معاناة المرأة اللاجئة وأم أو زوجة الشهيد. 

 وجدت كتابات قليلة للنساء الفلسطينيات في عقد الستينات حول واقع المرأة ودورها من قبل النساء المنخرطات في المقاومة الفلسطينية، نشرت في الصحف والنشرات الداخلية للتنظيمات الفلسطينية ومنظماتها النسائية. بالإضافة إلى خمسة أعداد من مجلة ” الفلسطينية الثائرة  “،  أصدرها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 1970.

وقد نال دور المرأة في النضال الوطني اجتماعيا وسياسيا وعسكريا أكبر قدر من الاهتمام  بالنسبة للمواضيع الأخرى خاصة في عقدي السبعينات والثمانينات ، ويليه في الاهتمام من قبل الكتاب والكاتبات مواضيع قضايا المرأة والتنمية في مجالات الصحة والتعليم والعمل،  وحول الأوضاع المعيشية وظروف ومعاناة النساء الفلسطينيات في المخيمات وتحت الاحتلال. كما تبين أن الغالبية العظمى من الكتابات حول المرأة الفلسطينية خارج وداخل فلسطين حتى نهاية عقد الثمانينات قامت بها القيادات النسائية ، وغالبا ما كانت بدون خلفية علمية أو أكاديمية في البحث.

لكن مع بداية عقد التسعينات بدأت مرحلة جديدة ونشيطة من الكتابة حول المرأة الفلسطينية على أيدي باحثات وأكاديميات معنيات بقضايا المرأة، حيث وجدت 315 مادة مكتوبة حول قضايا المرأة في الفترة ما بين 1995-2002 ( المرحلة التي يغطيها الجزء الثاني من بيبلوغرافيا المرأة الفلسطينية، أكثر من نصف المواد المكتوبة التي وجدت في الجزء الأول من البيبلوغرافيا ( حوالي 500 مادة ) والتي غطت أكثر من ثلاثة عقود من الزمن. 

ويلاحظ من المواد المكتوبة التي تم إنتاجها في الفترة ما بين 1995-2002 حدوث تحول نوعي في مجالات الاهتمام، حيث أصبحت القضايا التنموية للمرأة وقضايا حقوق المرأة في القوانين والتشريعات تحتل مركز الاهتمام الأول. وتراجعت بشكل واضح قضية دور المرأة ومكانتها في النضال الوطني. واحتلت المرتبة الثانية في الاهتمام قضايا حقوق الإنسان للمرأة وقضايا الديمقراطية والمشاركة السياسية في مواقع صنع القرار. يضاف إلى ذلك ولوج مجالات اهتمام جديدة مثل المرأة في الفكر والثقافة والإعلام وفي قضايا العنف ضد المرأة. ولا تزال  الكتابات حول المرأة  لم تتطرق لعدد من من المواضيع الهامة مثل:

1-    دراسات فكرية نظرية تناقش الجذور التاريخية لقضية المرأة، والخصوصية النسائية في النظر إلى كافة مجالات الحياة والمجتمع.

2-    الأبحاث النفسية والاجتماعية التي ترصد تأثير الظروف الفلسطينية على الشخصية الوطنية الفلسطينية وعلى المرأة الفلسطينية. والتي تبحث في الخصوصية النسائية في مجالات التعبير والاتصال والقيادة واتخاذ القرار.

3-    السيرة الذاتية للنساء الرائدات في مجالات غير تقليدية في العلوم والآداب والفنون…الخ.

4-    الأبحاث الانثروبولوجية التي ترصد أصول نشوء المفاهيم والعادات والتقاليد السائدة المحيطة بالمرأة في المجتمع العربي.

صحيح أن بعض النساء الباحثات والكاتبات حول قضايا المرأة يمكن اعتبارهن مفكرات بالقضية النسائية، هذا إذا تجاوزنا ما تعودنا عليه في إطلاق صفة المفكر على النخب من المثقفين اللذين يتفرغون للتأمل  والقراءة والكتابة، حيث يكون من الصعب على النساء التفرغ لشؤون الثقافة والفكر، أولاً لأن لديها أكثر من وظيفة في المجتمع، ثم لأن طبيعة النساء تربط ما بين الفكر والعمل وكثيراً ما تعبر عن فكرها بشكل عملي.

وبالنظر إلى طبيعة المنهج الذي اتبعته الباحثات الفلسطينيات فإننا نجد فوضى في المناهج المتبعة، بل إن أغلب الأبحاث وأوراق العمل الموجودة لا تتبع أي منهج ولا يمكن اعتبارها ذات قيمة من الناحية العلمية. أما الفكر الذي تبنته الباحثات الفلسطينيات أو القيادات النسائية فهو فكر مفكك إلى حد كبير يختلط فيه الفكر الليبرالي الغربي بالاشتراكي أو حتى بالماركسي، كما نجد تذبذب بين الخطابات المختلفة فمن الخطاب العلمي إلى الخطاب الديني. ولم تتمكن النساء الفلسطينيات المفكرات في الهم النسائي والإنساني الفلسطيني من التوصل إلى نظرة نسوية خاصة في قضايا المجتمع ككل وفي علاقة النساء بمنظومة الفكر الأبوي. وهذا يتفق مع ما خلص إليه بحث ” الخطاب النسوي الفلسطيني ” ( رندة ناصر وأخريات، منتدى الخطاب النسوي، رام الله 2007 ). 

الجواب الثالث :

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت تتكون حركات نسائية في العالم للعمل من أجل حقوق المرأة ومن أجل السلام، مثل ” عصبة النساء من أجل السلام ” و ” الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي ” . وقد كان لهذه الحركات دور أساسي وراء قرار الأمم المتحدة عام 1969 بتكريس العام 1975 عاماً دولياً للمرأة.

ومن خلال متابعة تطور اتجاهات الكتابة والبحث حول المرأة الفلسطينية، وكذلك من متابعة تطور الحركات النسائية في العالم كما في بلادنا خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين الماضي، نلاحظ أنها واكبت اهتمام دولي متواصل بقضايا المرأة، بدءا بعقد المؤتمر الدولي الأول للمرأة في المكسيك في تموز 1975، ثم بقرار تكريس عقد كامل للمرأة، أقرت خلاله الأمم المتحدة الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة عام 1979، كما تم وضع إستراتيجية تطلعية للنهوض بالمرأة تحت شعار المساواة، التنمية والسلام في مؤتمر نهاية العقد في نيروبي عام 1985. وقد تزايد الاهتمام الدولي من خلال وضع الخطط والبرامج التي تلتزم بها الدول للنهوض بأوضاع النساء فيها، والتي تبلورت في وثيقة دولية صدرت عن المؤتمر الدولي الرابع للمرأة المنعقد في بيجين عام 1995.

وهكذا فان الفكر النسوي المعاصر سواء في فلسطين أو في أي مكان آخر لا يأتي من فراغ،  ولا يمكن فصله عن السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية والدولية، تماماً كما حدث في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حيث تزامن نشوء وتطور الحركات النسائية في البلاد االعربية مع ظهور الفكر النهضوي  الذي نادى بتحرير المرأة وإحداث التغيير المطلوب من اجل تقدم المجتمع. 

أضف تعليق