السباق المحموم حول أرشيف السينما الفلسطينية
انفجرت في السنوات الأخيرة حالة من السباق المحموم في الاهتمام بأرشيف السينما الفلسطينية، والمقصود بذلك أرشيف مؤسسة السينما الفلسطينية الذي فقد في بيروت بعد خروج قوات وكوادر منظمة التحرير الفلسطينية. وكثرت الأصوات التي تتحدث أو تسعى للمطالبة أو البحث عن هذا الأرشيف، دون أن يتمخض ذلك عن جهد حقيقي في البحث عن معلومات صحيحة عن الأرشيف أو محاولة تنسيق مع الأطراف المعنية وذات العلاقة بهذا الأرشيف. بل أن بعض هذه المحاولات التي تناولت موضوع أرشيف السينما كانت تنعق بنعي الأرشيف والبعض الآخر بلغت من السطحية أن تتعرض له بالسخرية، وغرض الغالبية من هذه المحاولات الرغبة في الظهور والاسترزاق، بعد أن تدنت معايير الهيئات المانحة في دعم المشاريع الفنية والثقافية الفلسطينية، بحجة التشجيع والتعاطف مع قضايا الشعب الفلسطيني، فصار عدد السينمائيين/ات أكثر من الهم على القلب الفلسطيني، ويتم انتاج أفلام نسبة قليلة جداً منها تستحق أن يطلق عليها لقب أفلام ، لدرجة ألهمت الكاتب الفلسطيني المبدع زياد خداش بكتابة مقال حول الظاهرة نشر في صحيفة الأيام الفلسطينية، أوائل العام 2007 بعنوان ” قررت أن أكون مخرجاً “
كانت المحاولة الأولى العملية في الاهتمام بأرشيف السينما الفلسطينية المفقود عندما قامت وزارة الثقافة والإعلام الفلسطينية أواخر تسعينات القرن الماضي بدعم مشروع لأحد المخرجين العرب ممن شاركوا في تنظيمات المقاومة الفلسطينية إبان عقد السبعينات، وله عدد من الأفلام حول القضية الفلسطينية، ولما كان المشروع يهدف إلى جمع الأفلام الفلسطينية المفقودة أصولها والموزعة في أماكن عديدة، قامت وزارة الثقافة بتأمين مصادر تمويل للمشروع، انتهت هذه المحاولة بجمع عدد من الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، شملت عدد قليل من الأفلام الفلسطينية المفقودة ( من إنتاج فلسطيني )، وعدد من الأفلام العربية والأجنبية ممن تناولت القضية الفلسطينية، وهي أفلام غير مفقودة وموجودة أصولها لدى المؤسسات التي قامت بإنتاجها ويمكن الحصول على نسخ منها في أي وقت.
وقد أعطى المخرج الذي قام بجمع الأفلام الحق لنفسه ( دون وجه حق ) بطبع ستة من الأفلام الفلسطينية من إنتاج المنظمات الفلسطينية على أسطوانة مدمجة وإصدارها مع كتاب على شكل دليل للأفلام الفلسطينية باسمه بالتعاون مع مركز للدراسات الفلسطينية ( لا أدري كيف سمح المركز بإصدار هذه الأفلام، دون الاتصال أو التنسيق مع الجهات المنتجة لهذه الأفلام أو مع مخرجيها )، ويبدو أن الإنتاج الثقافي الفلسطيني ساحة سايبة يستطيع من يشاء العبث فيها. وللأسف لم تتمكن حتى كتابة هذا المقال أي جهة فلسطينية من الحصول على نسخة من الأفلام التي تم جمعها، بما في ذلك وزارة الثقافة التي قامت بدعم المشروع وتأمين مصادر تمويل له.
وقد تمت هذه المحاولة دون الاتصال أو حتى التنسيق مع الأطراف الفلسطينية المنتجة لتلك الأفلام وخاصة كوادر “مؤسسة السينما الفلسطينية” التي تطورت عن أول وحدة سينمائية للمقاومة الفلسطينية تأسست في العام 1968 “وحدة أفلام فلسطين”. وتعتبر هذه المؤسسة بمثابة المؤسسة الرئيسة في محال إنتاج وتوزيع الأفلام الفلسطينية، حيث قامت بإنتاج العدد الأكبر من الأفلام الفلسطينية المستقلة ومن أفلام الإنتاج المشترك مع عدد كبير من الجماعات السينمائية التقدمية في العالم، كما كانت هذه المؤسسة الوحيدة التي قامت بإنتاج عدد من الجريدة المصورة تحت عنوان ” الأحداث الفلسطينية “، وبتأسيس أرشيف للسينما الفلسطينية ومكتبة أفلام ضمت ما لا يقل عن 100 فيلم فلسطيني وعربي وعالمي حول القضية الفلسطينية وقضايا الشعوب المناضلة وحركات التحرر في العالم. ولذلك فإن البحث عن الأفلام الفلسطينية دون التنسيق والتعاون مع كوادر هذه المؤسسة يعتبر ضرباً من العبث، أو كمن يغمس من خارج الصحن كما يقول المثل الشعبي، فكيف يبحث عن الشيء من لا يعرفه. للأسف كان الهدف من تلك المحاولة والمحاولات التي تلت ذلك مجرد محاولات عقيمة للفت الانتباه لشخوص القائمين/ات عليها، وربما بهدف التكسب من خلال التطاول على التراث السينمائي الفلسطيني وعلى جهود وتضحيات ذلك الفريق السينمائي المناضل الذي قدم عدد من الشهداء أثناء توثيق الأحداث الفلسطينية وأنتج عددا ً من الأفلام لعبت دوراً رئيساً بالتعريف بأبعاد القضية الفلسطينية و أهداف النضال الوطني الفلسطيني في المرحلة التي عرفت بالثورة الفلسطينية 1968-1982.
نظرة مشوهه لاختفاء أرشيف السينما الفلسطينية.
كانت المرة الأولى التي تم الحديث فيها عن أرشيف السينما الفلسطينية المفقود أمام جمهور، في المؤتمر الأول للمخرجات العربيات المنعقد في الدار البيضاء أيار 1997، وقد تحدثت شخصياً في هذا المؤتمر باعتباري شاهدة أولى على تأسيس هذا الأرشيف والمسئولة عن متابعة تطويره والعناية به. و يبدو أن حديثي حول تجربة تأسيس الأرشيف وفقده كان مؤثراً، جعل المخرجة الفلسطينية الشابة ( حديثة العهد بالإخراج ) والمشاركة في المؤتمر تبدي حماساُ شديداً لفكرة التعاون معها لإخراج فيلم حول تجربة البحث عن الأرشيف. ثم تختفي بالفكرة، لتظهر بعد ما يزيد على سبع سنوات وهي تصنع فيلماً حول اختفاء الأرشيف ولتعرض نظرة سطحية ساخرة وتهكمية حول ضياع الأرشيف، وتقوم بالبحث عنه شخصياً في أزقة وشوارع بيروت، وبلغت عملية البحث من التهكم الركيك حتى تصل للبحث في المقبرة. وكم كنا آسفين المرحوم مصطفى أبو علي وأنا لتعاملنا معها باهتمام وجدية كسينمائية شابة بعد مشاهدتنا للفيلم وبعد أن تبين أننا تعرضنا لخديعة حول موضوع الفيلم، حيث ادعت المخرجة أن الفيلم غير مهتم بالبحث عن الأرشيف، كما أن المخرجة لم تفي بما وعدتنا به ووقعت عليه، ويبدو أن الدافع وراء الفيلم لم يتعدى الرغبة بالاستعراض، وربما تصفية حسابات شخصية للمخرجة مع من تحملهم مسؤولية ضياع الأرشيف، الأمر الذي لم تجرؤ على تناوله بوضوح.
حنتش منتش واللي يحصل ينتش..
هذه الأيام هنالك خمسة، …ستة أو لعلها سبعة أو ثمانية جهات (أشخاص ومؤسسات أهلية ورسمية) داخل البلاد وخارجها. تعلن اهتمامها وتتحدث عن مشاريع حول أرشيف الأفلام الفلسطينية. وعندما تحاول أن تعرف أو تفهم في أي مجال يتركز اهتمامهم، يكون الجواب : كل الأفلام …هكذا ، بكل بساطة وكأن هذه الأفلام وأعني هنا أفلام السينما النضالية، ليست لها حقوق ملكية أو حقوق فكرية. صحيح أن هذه الأفلام قد مر عليها أكثر من ثلاثة عقود، ولكن هذا لا يلغي حقوق أصحابها وصانعيها، أنها ليست تراثاً سائباً لمرور زمن على إنتاجها، بل على العكس أن هذه الأفلام كلما مر عليها الزمن تزداد قيمة وأهميةً. إنها كنز للتراث الوطني الفلسطيني، إن منظمة التحرير الفلسطينية، هي صاحبة الحق الأول في رعاية وحفظ هذه الأفلام، وإلا فان حق العناية بهذه الأفلام وحفظها والاستفادة منها يؤول لصانعيها، وليس لأحد الحق بالقفز عن هذه الحقوق. كما لا يحق لأي هيئة مانحة أن تدعم مشروع أو مشاريع بحث وجمع لهذه الأفلام دون الرجوع لأصحاب الحق فيها. إن تراث سينمائيي المقاومة الفلسطينية، تراث منظمة التحرير الفلسطينية ليس حيطاً واطئاً يقفز عليه كل من في نفسه غرض، لتتكالب عليه مشاريع حنتش منتش واللي يحصل ينتش، التي دأبت على التكسب، باسم القضايا الهامة القابلة للتسويق، وجذب مصادر التمويل.
هل هنالك من يهتم بإنقاذ التراث الثقافي والسينمائي لمناضلي منظمة التحرير الفلسطينية من بين أيدي مرتزقة الثقافة، ويوقف هذه المهزلة المحزنة؟
* باحثة وسينمائية ، عملت مسؤولة لقسم الأرشيف والسينماتيك في مؤسسة السينما الفلسطينية حتى خروج قوات م.ت.ف من بيروت عام 1982.