ممسكاً بحلمه … حتى النفس الأخير
عن مصطفى أبو علي، بعض مما يليق به..
عاد الفنان الشاب الذي وجد نفسه أخيراً في السينما، بعد أن حوم حول تخوم الصحة العامة، هندسة المعمار، الموسيقى والفلسفة، وجد ضالته في السينما التي تلتقي فيها كل الفنون، عاد بعد أن استكمل دراساته في معهد السينما بلندن، وفي جعبته سيناريو فيلم بعنوان ” يريد أن يغني “، وهو فيلم يتحدث بشكل رمزي عن شاب يصرخ بأعلى صوته : أريد أن أغني، تعبيراً عما يعتمل في نفس الفنان الشاب، الفرح بامتلاك وسيلته في التعبير بالسينما. إلا أن الفجيعة التي أصابت الفنان الشاب وأصابت العديد من الشباب الفلسطيني والعربي على أثر هزيمة الدول العربية في حربها مع إسرائيل عام 1967، طوحت بذلك المشروع، ليقوم بإخراج أول فيلم من أفلامه عن “الحق الفلسطيني”، ويكرس جل وقته ليعمل مع زميليه سلافة جاد الله ( أول مصورة سينمائية عربية ) وهاني جوهرية المصور السينمائي الفنان زميل مصطفى في معهد السينما بلندن، على تأسيس “وحدة أفلام فلسطين” أواخر العام 1968، فرسان السينما الثلاث تعاهدوا أن يكرسوا فنهم وحياتهم لخدمة قضية شعبهم، وبدأوا بتوثيق جميع الأحداث والنشاطات المحيطة بالثورة الفلسطينية، حتى جاء فيلم ” لا..للحل السلمي ” باكورة عمل هذه الوحدة أواخر العام 1969، والذي يعبر عن رفض القيادة والشعب الفلسطيني لمشروع روجرز للحل السلمي المتجاهل لحقوق الشعب الفلسطيني ونضاله لتحرير وطنه.
وعندما حالت الظروف دون استمرار فرسان السينما الثلاث بعد أحداث أيلول 1970، ورغم تحرر الفنان الشاب من العقد الذي يلزمه بالعمل ضمن شروط منحة دراسة السينما، ورغم صعوبة الأوضاع التي واجهت الفنان حديث العهد بالزواج والأبوة، إلا أنه أصر على متابعة ما بدأه مع زملاءه المناضلين السينمائيين. لم يفكر ولو للحظة واحدة باغتنام فرصة تحرره من عقد العمل، ليتوجه إلى مصر حيث تتوفر أعلى نسبة فرص لإنتاج الأفلام، أو إلى دول الخليج حيث كان الإخراج السينمائي والتلفزيوني الدجاجة التي تبيض ذهباً في عقد السبعينات مرحلة نشوء وتطور وسائل الإعلام فيها، وأصر على متابعة مسيرة الوحدة السينمائية الوليدة، وليعمل على فيلم ” بالروح …بالدم “.
جاء فيلم ” بالروح…بالدم ” الذي أنتج عام 1971 والحائز على الجائزة الفضية للأفلام القصيرة في مهرجان دمشق الأول لسينما الشباب عام 1972، ليلفت الأنظار لمصطفى كمخرج لسينما من نوع جديد، سينما تبحث عن لغة ومفردات فنية مختلفة عن تلك المألوفة في السينما السائدة سواء في هوليوود أو في القاهرة، كأهم حاضرتين في الإنتاج السينمائي. سينما أطلق عليها المشاركون في المهرجان من سينمائيين ونقاد لقب ” السينما البديلة ” ثم عرفت فيما بعد ب ” السينما النضالية ” المرتبطة بحركات التحرر والثورات الشعبية بعد ظهور عدد من السينمائيين الباحثين عن لغة سينمائية مختلفة عن السينما الكلاسيكية، أمثال : المخرج الكوبي الفاريز، والمخرج الفرنسي الشهير غودار ( واحد من أهم عشرة مخرجين في العالم في عقد الستينات ) الذي حضر إلى قواعد الفدائيين الفلسطينيين في الأغوار، والمخرج السينمائي الياباني كوجي واكا ماتسو وغيرهم من مخرجي موجة السينما الجديدة ( The avanguard). ثم لتستقطب السينما النضالية بعد ذلك عدداً من المخرجين مثل: المخرج الإيطالي لويجي بيرللي وألأرجنتيتي خورخي جيونوني من جماعة ” سينما العالم الثالث، والفرنسي سيرج لو بيرون ، والألماني مانفريد فوس، والدنماركي نلس فست، وغيرهم من السينمائيين من فيتنام وكوبا والاتحاد السوفياتي وأميركا…الخ.
وتوالت الأفلام رغم الصعوبات التي واجهتها الوحدة من سوء الفهم لأهمية السينما من بعض القيادات السياسية ( بلا سينما ..بلا هم ) ومن الفهم الإعلامي والسياسي القاصر، وضعف الإمكانيات، لدرجة كنا ندفع معها ( بعد أن انضممت لمساعدته أوائل العام 1971 ) أجرة آلة المونتاج ( المافيولا ) في ستوديو بعلبك يوماً بيوم وهي على ما أذكر ( 25 ليرة لبنانية في اليوم ). ومع توالى الأفلام مثل : “العرقوب”، “عدوان صهيوني”، “مشاهد من الاحتلال في غزة” و” ليس لهم وجود”، توالت الجوائز، حتى بلغت ثلاثة عشر جائزة حصل عليها مصطفى من مهرجانات عربية ودولية وهو يتابع في هذه الأفلام وغيرها عملية التجريب والبحث الدأووب عن لغة سينمائية بسيطة وعميقة وجميلة أيضاً، سينما قريبة من الناس يمكن تسميتها ” سينما الشعب من أجل الشعب ” كما يقول في أكثر من مناسبة وكما عبر بيان ” أفلام فلسطين ” عام 1972 أثناء انعقاد مهرجان دمشق الأول لسينما الشباب، ثم بيان ” جماعة السينما الفلسطينية ” أثناء انعقاد مهرجان بغداد الدولي لأفلام وبرامج فلسطين ” عام 1973.
عندما أوقفت القيادة السياسية قرار أنتاج الفيلم الروائي” أيام الحب والموت ” أواخر العام 1972، بسبب استياءها من مواقف لكاتب الرواية، بعد أن قطع مصطفى شوطاً في عمليات الإنتاج،مثل إعداد السيناريو والاتفاق مع الأطراف المشاركة في الإنتاج (الجزائر مثلاً ) ومع الممثلين للأدوار الرئيسة، وغير ذلك. كانت صدمة مصطفى بإيقاف المشروع كبيرة لدرجة الاعتكاف والتوقف عن الذهاب للعمل في قسم السينما آنذاك. في هذه الفترة تلقى مصطفى أكثر من عرض من مؤسسات السينما العربية أذكر منها : الجزائر ومصر، ومن بعض التلفزيونات من منطقة الخليج العربي. إلا أن مصطفى أعتذر لجميع هذه العروض لقناعته أن مكانه الصحيح أن يبقى في خدمة قضايا شعبه ومن بينهم، وظل معتكفاً حتى تمكن من تجاوز إحساسه بالمرارة، وبدأ يدعو ويتحرك لتشكيل جماعة مستقلة للسينما الفلسطينية خارج الاطار السياسي، حتى تم تشكيلها من مجموعة ( حوالي 35 شخصية ) من السينمائيين والمثقفين الفلسطينيين والعرب، وتم تبنيها من مركز الأبحاث الفلسطينية، وانتخب مصطفى رئيساً لها، وقامت بإنتاج فيلم ” مشاهد من الاحتلال في غزة ” الذي فاز بالجائزة الذهبية من مهرجان بغداد الدولي لأفلام وبرامج فلسطين عام 1973، كما أصدرت الجماعة بيانها الشهير حول السينما النضالية ( سينما الثورة ..سينما الشعب ) أثناء انعقاد ذلك المهرجان.
لم يكن هدف مصطفى فقط أن يصنع أفلاماً عن فلسطين، وأن يبتكر لغته السينمائية الخاصة الملائمة لمعاناة ونضالات الشعب الفلسطيني. كان يحلم أيضاً أن يطور ظاهرة سينمائية حول فلسطين، يقودها عمل مؤسسي قادر على التطور والاستمرار في خدمة قضايا الشعب الفلسطيني، والسينمائيين الفلسطينيين. وقد تمكن خلال بضعة سنوات من تطوير الوحدة الصغيرة إلى مؤسسة للسينما من خلال تطوير علاقات مع مؤسسات السينما وإدارات المهرجانات وملتقيات السينما في البلاد العربية وأوروبا، والحصول على منح لتدريب كوادر في التصوير الفوتوغرافي الصحافي، والتصوير السينمائي، وهندسة الصوت والإخراج. وتزايد عدد الكوادر وتعددت وحدات التصوير وأصبحت المؤسسة تضم أقسام : التصوير الفوتوغرافي، التصوير السينمائي لمتابعة توثيق الأحداث، الجريدة المصورة، أنتاج الأفلام الفلسطينية، وأفلام الإنتاج المشترك مع الفرق السينمائية التقدمية من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية..وغيرها، التي بدأت تتوافد لتصنع أفلاماً عن قضايا الشعب الفلسطيني وشكلت ظاهرة سينمائية عربية ودولية حول فلسطين، وجذبت المؤسسة بإدارة مصطفى عدداً من السينمائيين العرب من لبنان ومصر وسوريا والعراق .. وغبرهم، ثم جاء تأسيس قسم الأرشيف والسينماتيك الفلسطيني عام 1976، وإصدار مجلة ” الصورة الفلسطينية ” عام 1978 لتكتمل بها بنية المؤسسة.
ورغم الجهود التي قام بها مصطفى لتطوير مؤسسة السينما لتكون مظلة لجميع السينمائيين الفلسطينيين، ولتكون قادرة على تبني ودعم مشاريع الأفلام حول قضايا الشعب الفلسطيني. إلا أن مصطفى كان يحلم باليوم الذي يتفرغ فيه للإخراج حتى يتمكن من إخراج أفلام روائية قادرة على الوصول إلى أوسع قطاع من المشاهدين في العالم. ولن أنسى ذلك الحوار الذي دار بينه وبين الشهيد هاني جوهرية عند تمكنه من القدوم إلى بيروت في تشرين الأول 1975، والالتحاق بمؤسسة السينما التي وضع هو وسلافة جادالله مع مصطفى نواتها الأولى عام 1968، كان كل منهما يحاول إقناع الآخر بأهميته لإدارة المؤسسة، وأن يتفرغ الواحد منهما لمجاله الفني فقط. مصطفى يريد أن يسلم هاني إدارة المؤسسة، لأنه أقدر في الإدارة وفي التعامل مع السياسيين، ويعبر هو عن رغبته في التفرغ للإخراج. وهاني يرفض ويعتبر أن خبرة مصطفى والتطور الذي حققه للمؤسسة، تجعله أقدر على الاستمرار في الإدارة، ويعبر أيضاً عن رغبته في العمل كمصور سينمائي ميداني. كم كانت فجيعة مصطفى كبيرة باستشهاد هاني بعد ستة أشهر فقط من عودته للالتحاق بمؤسسة السينما، كان يعلق عليه آمالاً كبيرة في العمل معاً في على أفلام روائية كان يحلم بإخراجها، كان يقول : ” أنا وهاني بنفهم بعض بدون ما نحكي “، لقد تميزا بحساسية خاصة في التواصل فيما بينهما، وهو الأمر المهم جداً في العمل الفني.
لم يتخلى مصطفى في يوم من الأيام عن أحلامه، فقد حاول أن يستقل بعد خروج م.ت.ف من لبنان، ويعتمد على جهوده لتحقيق تلك الأحلام، وقام بتأسيس ” شركة بيسان ” في عمان عام 1984 التي عانت معه صعوبة الحركة وضيق ذات اليد، فمن أين للفنان المناضل الذي أختار أصعب الطرق لتحقيق أحلامه أن يجد السبيل لذلك. بعد أن غص مجال السينما والفن بالباحثين عن الشهرة والمال، وأساليب العمل الملتوية التي لا يمكن لفنان بحساسية وشفافية مصطفى أن يعمل بها. رغم الجهود المضنية التي بذلها لتطوير العمل لعله يصل لمرحلة يتمكن من إنتاج الأفلام التي يحلم بها. وكما حاول في بيروت وعمان أعاد المحاولة بعد العودة إلى رام الله، ثم أعاد تأسيس ” جماعة السينما الفلسطينية “، ولم يتوقف عن وضع المشاريع لإعادة تأسيس أرشيف ومكتبة السينما الفلسطينية، وإنشاء صندوق وطني لدعم السينمائيين الفلسطينيين، وظل يكتب السيناريو تلو الآخر، على مدى السنوات العشر التي قضاها في فلسطين، تسعة سيناريوهات وجدت بين أوراقه، بعضها تسجيلي مثل: سيناريو فلم ” التطهير العرقي” ، وسيناريو فلم ” شعارات ” : الذي وافقت على إنتاجه قناة الجزيرة الوثائقية كإنتاج مشترك قبل وفاته بوقت قصير. كما وجد من بين السيناريوهات التي تركها خلفه سيناريو لفيلم روائي بعنوان ” ألبوم صور” ألذي تبين أنه أرسله إلى صندوق الثقافة العربية للمشاركة في إنتاجه أثناء وجوده في المستشفى، قبل وفاته بأسبوع فقط. لم ييأس ولم يستسلم وهو يسعى لتحقيق أحلامه بإصرار عنيد حتى النفس الأخير.
مصطفى الذي تميز بالصمت والتواضع طوال حياته العملية، رغم ما تعرض له من سؤ فهم لطبيعة عمله، ومن إنكار لأهمية انجازاته وتطلعاته، (جاءه التكريم اللائق من مهرجان الإسماعيلية عام 2003). الأمر الذي كان يستفزني أحياناً فانبري بنفسي للمواجهة، كان رأي مصطفى أن الإهمال أفضل رد على مثل هذه الأصوات، فهي لا تستحق الرد، إضافة لأن الرد عليها غير مجد. كان هذا رأيه وكنت أختلف معه أحياناً حول هذا الأمر. وعندما كنت أنبري للمواجهة لم يكن ذلك بدافع الدفاع عنه كزوج أو كصديق كما قد يعتقد البعض، وإنما لأننا متفقين أصلاً وبيننا كثير من الأفكار والآراء والتطلعات المشتركة في الحياة والعمل، كنت أدافع عن قناعاتي وأفكاري أيضاً، ذات الأفكار والقناعات التي جمعتنا كزوجين وظلت تجمعنا كصديقين حتى النهاية.
سنوات طويلة عشناها معاً بحلوها ومرها، فلم تكن الحياة مع فنان يلاحق أحلاماً صعبة المنال في مثل قسوة ظروف النضال التي عايشناها حياة سهلة مليئة بالورود، لقد عشنا معاً أحلاماً كبيرة وانكسارات كثيرة لحظة بلحظة، وقد مرت علاقتنا بمنعطفات كثيرة، ولعل هذا من سمات العلاقة مع الفنانين، ذوي المزاج الخاص الذي يخضع لتغيرات كثيرة وحادة أحياناً تبعاً للظروف الإنسانية التي يمرون بها. ولكن لا يمكن لمن يعرف مصطفى كما عرفته فيما يقارب أربعة عقود من الزمن من العلاقة الانسانية، أوفي الحياة والعمل المشترك، إلا أن يظل وفياً ومحباً لشخص تميز بروح شفافة بالغة الإنسانية، شديد الاخلاص في عمله، صادقاً ونزيهاً في زمن عز فيه الصدق والنزاهة، عطوفاً ومتسامحاً ونبيلاً أكثر مما ينبغي وأكثر مما يحتمل واقعنا السياسي والاجتماعي المريض. وقد ظل مصطفى أقرب الناس لي حتى وفاته .
ملاحظة : يصادف يوم 30/7/2011 مرور عامين على وفاة الفنان المناضل المخرج السينمائي مصطفى أبو علي، مؤسس سينما الثورة الفلسطينية، وأحد مؤسسي السينما النضالية في العالم في عقد السبعينات من القرن الماضي.