تعود بدايات اهتمام المرأة الأردنية للمشاركة في العمل السياسي إلى منتصف القرن العشرين الماضي، وقد عبرت النساء عن هذا الاهتمام بوضوح في عقد الخمسينات مع تنامي النضال الوطني المناهض للاستعمار والمطالبة بإلغاء المعاهدة البريطانية لعام 1948، وتعريب الجيش الأردني وظهور معارضة منظمة تطالب بالحريات العامة بما في ذلك حرية التنظيم الحزبي والنقابي والاجتماعي. في ظل هذه الظروف تأسس أول اتحاد نسائي أردني عام 1954 بقيادة السيدة املي بشارات أول محامية أردنية، تحت اسم ” اتحاد المرأة العربية “، ومن أهم شعارات هذا الاتحاد : “حقوق وواجبات متساوية، أمة عربية واحدة” مما يدل على اهتمام سياسي واضح، لدى مؤسسات الاتحاد. وجاء في مقدمة مطالب الإتحاد : منح المرأة الأردنية حقوق المشاركة في الانتخابات، تعديل قانون الأحوال الشخصية وقانون العمل، توفير فرص أكبر للتعليم والعمل أمام المرأة. لكن هذا الاتحاد توقف مع فرض الأحكام العرفية في الأردن في نيسان 1957 وحل الأحزاب السياسية، ولوحقت قيادات الاتحاد مع ملاحقة قيادات الأحزاب وكوادر العمل الاجتماعي والنقابي، ولم يبقى أمام المرأة إلا العمل في الجمعيات التطوعية الخيرية طوال فترة الأحكام العرفية التي هيمنت على الأردن لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن.
بعد عودة الأردن للحياة النيابية عام 1989 ، سادت الأوساط السياسية والثقافية والاجتماعية موجة من التفاؤل وخاصة في الأوساط النسائية التي وجدت في حالة الانفتاح السياسي مناخاً مناسباً لتسليط الضوء على قضايا المرأة، وتقوية مشاركتها في الحياة العامة وفي العمل السياسي، لدرجة أن تقدمت 12 سيدة للترشح للانتخابات البرلمانية، لكن أياً من هؤلاء النساء لم تتمكن من الوصول إلى مقعد نيابي. وقد أصيبت المرأة الأردنية بخيبة أمل كبيرة، أثارت موجة من الجدل في الأوساط النسائية والثقافية والسياسية حول سبل وآليات تطوير مشاركة المرأة في العملية الديمقراطية، وطرح للنقاش مفهوم الكوتا النسائية ( تخصيص حصة من مقاعد البرلمان للمرأة )، لأول مرة في بداية العام 1993 إلا أنه قوبل بالرفض حتى من المنظمات النسائية . ورغم تزايد الحراك السياسي وحدة الجدل مع اقتراب موعد انتخابات 1993 وخاصة بعد اعتماد نظام الصوت الواحد، ولكن كل ذلك الجدل والحراك السياسي لم يؤدي إلا إلى ترشح ثلاث نساء لخوض الانتخابات النيابية، للتنافس على المقاعد المخصصة للشيشان والشركس، وتمكنت واحدة منهن فقط من الوصول إلى قبة البرلمان عن مقعد الشركس والشيشان في الدائرة الثالثة في العاصمة عمان.
الكوتا وتجربة المرأة في الانتخابات الأردنية:
كان من الطبيعي والمتوقع أن يثير طرح مبدأ الكوتا الجدل وأن يواجه بسوء الفهم، عندما طرح للنقاش لأول مرة في الأردن عام 1993. فرغم الخيبة التي أصابت النساء بعدم فوز أي من 12 مرشحة ، في أول تجربة للمرأة في خوض الانتخابات البرلمانية عام 1989، ورغم اتساع دائرة النقاش حول قانون الانتخاب والتعديلات التي طرأت عليه باعتماد نظام الصوت الواحد، في خضم الإعداد للانتخابات النيابية لعام 1993. لكن طرح مفهوم الكوتا النسائية لم يلقى أذناً صاغية من أطراف العمل السياسي في البلاد سواء منها الرسمية أو الأهلية، وحتى أطراف العمل النسائي ناقشته على استحياء وانقسمت في الرأي حول المفهوم. ربما نتيجة لحداثة التجربة الديمقراطية والالتباس المحيط بمفهوم الكوتا في علاقته بالمساواة والديمقراطية.
في عام 1996 شهد المجتمع الأردني نشاطاً واسعاً للإعداد للانتخابات القادمة عام 1997 ولتعديل قانون الانتخاب، من جميع الدوائر السياسية ومنظمات المجتمع المدني ومراكز البحث والدراسات. وشاركت المنظمات النسائية بفعالية في جميع النشاطات بالإضافة للجهود الخاصة من أجل دعم وتطوير مشاركة المرأة في الانتخابات، التي قامت بها اللجنة الوطنية للمرأة الأردنية والاتحادات والجمعيات النسائية، على خلفية تجربة المشاركة الأردنية في الإعداد والصياغة لوثيقة بكين 1995 ( الصادرة عن المؤتمر الدولي الرابع للمرأة ). وتشكل تحالف نسائي بمبادرة من برنامج المرأة في مركز الأردن الجديد للدراسات، وشارك في التحالف عدد من المنظمات والشخصيات النسائية للمطالبة بتعديل قانون الانتخاب واعتماد كوتا مفتوحة بنسبة 20% من مقاعد مجلس النواب، وبالرغم من العقبات التي واجهها التحالف النسائي فقد تمكن من التأثير في الرأي العام الأردني وفي كثير من الأوساط السياسية في البلاد. وامتد النشاط المجتمعي في جميع المحافظات وحتى موعد حل البرلمان قبل انتخابات 1997، الذي رافقه حل الحكومة القائمة وتشكيل حكومة جديدة للإشراف على الانتخابات، بدأت أعمالها بالإبقاء على قانون الانتخاب كما هو، ورفض إدخال أية تعديلات عليه. مما أدى إلى إحباط عام لدى منظمات المجتمع المدني ولدى النساء كما أدى إلى مقاطعة غالبية الأحزاب السياسية في البلاد للانتخابات.
وجاءت نتائج انتخابات عام 1997 بفشل أي من السبعة عشر مرشحة بالفوز بمقعد نيابي، مخيبة جداً لآمال المجتمع الأردني ولآمال النساء ولجميع المراقبين للتجربة الديمقراطية في الأردن. مما حدا اللجنة الوطنية للمرأة إلى دعوة الفعاليات النسائية بما فيها عضوات التحالف النسائي لتقييم التجربة النسائية في الانتخابات 1997، وتم التوصل إلى مذكرة رفعت إلى أصحاب القرار للمطالبة بتخصيص كوتا للنساء لا تقل عن 20% من مقاعد المجلس النيابي، كما قامت اللجنة التنسيقية للمنظمات النسائية غير الحكومية بجمع أكثر من 15 ألف توقيع على المذكرة المطالبة بالكوتا النسائية. وهكذا أخذت فكرة الكوتا تطرح في الأوساط النسائية بشكل واسع حتى لدى الأوساط التي رفضتها سابقاً، بعد تجارب النساء في ثلاث دورات انتخابية متعاقبة، كما بدأت فكرة الكوتا النسائية تتردد في أوساط أطراف القرار، مما مهد الطريق أمام الكوتا النسائية في الأردن.
وقد صدر قرار الكوتا النسائية المؤقت رقم (11) بداية عام 2003، بتخصيص (6) مقاعد تتنافس عليها النساء المرشحات كتعديل على قانون الانتخاب المؤقت رقم (34) لعام 2001 ، الذي رفع عدد الدوائر من 21 ألى 45 دائرة، كما رفع عدد مقاعد مجلس النواب من 80 إلى 104 ، إلا أنه أبقى على نظام الصوت الواحد مع تعدد المقاعد في الدوائر. وقد حدد قانون الكوتا طريقة فوز المرشحات بناءً على نسبة الأصوات التي تحصل عليها المرشحة إلى عدد المقترعين في دائرتها، فتكون صاحبات أعلى ست نسب في محافظات البلاد هن الفائزات بالمقاعد المخصصة للنساء.
الكوتا النسائية في الانتخابات الأردنية لعام 2003
لا شك في أن فوز ست نساء بمقاعد نيابية لأول مرة في الأردن، هو مكسب وخطوة في مجال تطور المشاركة النسائية في مواقع القرار، خاصة بعد أن انعكس ذلك مباشرة على نسبة تمثيل المرأة في مجلس الأعيان الأردني الذي ارتفع من 3 إلى 7 أعضاء، ثم على تشكيل الحكومة الجديدة التي جاءت بثلاثة وزيرات أيضاً لأول مرة في الأردن. ومن شأن هذه الخطوة أن تساعد في كسر حدة النظرة النمطية تجاه مشاركة المرأة، وتفتح المجال لتطور التجربة النسائية في العمل السياسي ومواقع صنع القرار. إلا أن نتائج تجربة الكوتا النسائية في الانتخابات الأردنية لعام 2003، لم تلبي طموحات الحركة النسائية التي طالبت بها وعملت من أجلها.
لكن تخصيص ست مقاعد من أصل 110، لم يساعد بفتح المجال لمشاركة وتمثيل منصف للنساء من الشرائح الاجتماعية المختلفة. بالإضافة إلى طريقة احتساب نسب الفوز بالمقاعد المخصصة للنساء، من خلال نسبة عدد الأصوات التي تحصل عليها المرشحة إلى عدد أصوات المقترعين في دائرتها، ثم مقارنة النسبة التي تحصل عليها المرشحة مع نسب المرشحات الأخريات في الدوائر الأخرى، رغم اختلاف سقف الفوز بين دوائر البلاد. إن اتباع هذه الطريقة، أدى إلى تحييد واحدة من أهم مزايا الكوتا التي وضعت من أجلها، بحرمان المرشحات في الدوائر ذات الكثافة السكانية والأعداد الكبيرة من المقترعين من فرصة المشاركة في التنافس على الفوز.
حيث لم يكن هنالك فرصة للفوز أمام النساء من الدوائر ذات الكثافة السكانية، بسبب قلة عدد المقاعد المخصصة للنساء، خاصة مع وجود نظام الصوت الواحد رغم تعدد المقاعد في الدوائر الانتخابية، إضافة لتوزيع مقاعد المجلس على الدوائر الانتخابية غير متناسب مع الكثافة السكانية، ويخل بتكافؤ وزن الصوت الانتخابي للمواطنين. و هذا ما يفسر إحجام عدد من النساء القديرات والمخضرمات في العمل العام عن ترشيح أنفسهن، ويجعل التمثيل النسائي منقوصاً، ولا يتناسب مع حجم القوة الانتخابية للنساء. فمن بين 1369126 مقترع في انتخابات 2003 كان عدد المقترعات 713614 وهو أكثر من عدد المقترعين الذي بلغ 655512، أي ما نسبته 52,12 % إلى 47,88 % لصالح النساء. في حين ترشحت 54 امرأة من أصل 760 مرشح أي ما نسبته 7% من عدد المرشحين. ولا تتعدى نسبة تمثيل المرأة في مجلس النواب 5,4%، أي أن نسبة تمثيل النساء لمجموع الشعب الأردني، واحدة لكل مليون مواطن، أو واحدة لكل نصف مليون من النساء، ولم تحظى بالفوز أي من المرشحات في الدوائر ذات الأهمية السياسية والاقتصادية في البلاد، كما لم تفز بمقعد نيابي أي مرشحة على أساس برنامج سياسي رغم حصولهن على أصوات أعلى من الفائزات من الدوائر الانتخابية ذات الكثافة السكانية القليلة.
وقد عبرت ” وثيقة المرأة الأردنية ” التي أعدتها شخصيات ومنظمات نسائية في خضم الإعداد للانتخابات النيابية لعام 2003، عن وعي وحس عال بالمسؤولية عندما دعت المواطنين الأردنيين للمشاركة الفعالة في العملية الانتخابية، والإدلاء بالأصوات بكل مسؤولية وخاصة بالنسبة للنساء. ورغم الانتقادات التي سجلتها الوثيقة على قانون الانتخاب وخاصة فيما يتعلق بنظام الصوت الواحد مع تعدد المقاعد في الدوائر الانتخابية غير المتكافئ ، ورغم تحفظها على النسبة القليلة من المقاعد المخصصة للنساء وطريقة احتسابها، إلا أن الوثيقة أشارت بأن وجود ست نساء في مجلس النواب لأول مرة في تاريخ الأردن هي خطوة متقدمة وإنجاز للنساء الأردنيات، ولكن نجاح هذه الخطوة يتوقف على مدى العمل لتطويرها، كما حددت الوثيقة مطالب وبرنامج عمل المرأة الأردنية، لتطوير العملية الديمقراطية في البلاد للمرحلة القادمة.
وقد واصلت المنظمات النسائية ومنظمات المجتمع المدني جهودها في المطالبة بتعديل قانون الانتخاب الأردني، وخاصة نظام الصوت الواحد وطريقة توزيع الدوائر، واستبدالها بنظام القوائم النسبي، ورفع حجم تمثيل المرأة على عدد المحافظات، وتعديل طريقة احتساب نسبة فوز المرشحات بمقعد نيابي. حيث يحد قانون الانتخاب من فرص النساء كما الأحزاب في الوصول إلى البرلمان، وحول البرلمان في غالبيته إلى مؤسسة لممثلي العشائر وأصحاب رؤوس المال والعمل، ولكبار موظفي الحكومة والمتقاعدين من المؤسسات الرسمية. ورغم مواصلة جميع منظمات المجتمع المدني ومراكز الدراسات والبحث منذ انتخابات العام 2003 لم يطل قانون الانتخاب أي تعديل حتى العام 2010.
تعديلات طفيفة ودوائر وهمية في قانون انتخاب مؤقت :
بتاريخ 20/ 5/ 2010 ، صدرت الإرادة الملكية بالموافقة على تعديل نظام الدوائر الانتخابية، ومضاعفة عدد مقاعد المرأة إلى 12 مقعداً، موزعة على خمسة عشر دارة انتخابية، وأبقي على نظام الصوت الواحد، كما أبقي على طريقة احتساب نسب فوز المرشحات من خلال نسبة عدد الأصوات التي حصلت عليها المرشحة إلى عدد المقترعين في دائرتها. وهكذا يظل جوهر المشكلة قائماً، حيث لم تجرى أي تعديلات جوهرية على قانون الانتخاب.
ورغم أهمية قانون الانتخاب في تطوير العملية الديمقراطية وفي تنظيم الحياة السياسية في البلاد، إلا أنه وللمرة السادسة منذ عودة الحياة البرلمانية عام 1989 يتم إجراء الانتخابات بموجب قانون مؤقت بل أن تعديل نظام الدوائر وتقسيمها إلى 108 دائرة فرعية غير جغرافية أو ما سمي بالدوائر الوهمية أو الافتراضية، مما أدى إلى هدر أعداد كبيرة من الأصوات التي حصل عليها عدد كبير من المرشحين فلم يتمكنوا من الفوز بدوائرهم، في حين فاز عدد غير قليل من المرشحين والمرشحات في دوائر أخرى فرعية بأعداد من الأصوات أقل بكثير من الأصوات التي حصل عليه مرشحون في ذات الدوائر الرئيسة الخمسة عشر، ( حيث قسمت كل دائرة رئيسة إلى عدد من الدوائر الفرعية أو الافتراضية بعدد المقاعد المخصصة للدائرة الأصل ). وقد ظل الغموض يكتنف المادة 42 من قانون الانتخاب المؤقت لعام 2010 الخاصة بالكوتا النسائية، والتي تنص على : ( ….لا يجوز أن يزيد عدد الفائزات بالمقاعد المخصصة للنساء في كل محافظة وفي أي دائرة من دوائر البادية الانتخابية على فائزة واحدة ). ولهذا ورغم ما روج حول نزاهة إجراءات يوم الاقتراع، إلا أن هنالك العديد من الأصوات التي تشكك بنزاهة نتائج انتخابات 2011.
ورغم زيادة عدد المقاعد المخصصة للمرأة فقد انخفض عدد النساء المرشحات بنسبة 33% عنه في دورة انتخابات 2007، حيث بلغ عدد المرشحات 142 مرشحة لانتخابات 2010 في حين كان عدد المرشحات 212 مرشحة في دورة انتخابات 2007.
ويبقى مطلوباً من المنظمات النسائية وجميع منظمات المجتمع المدني في الأردن، أن تستمر في جهودها، للضغط على أعضاء البرلمان 2010 لوضع قانون انتخابي عادل وغير مؤقت، قادر على تطوير العملية الديمقراطية والحياة السياسية في البلاد ومشاركة النساء فيها.