تكتسب الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة للمرأة، باعتبارها آلية رئيسة وهامة في عميلة التحول الديمقراطي وفي تطوير النظام السياسي، إذ تفتح المجال أمام فئات الشعب المختلفة للمشاركة في القرار السياسي، وخاصة أمام المرأة التي أقصيت لعقود طويلة عن المشاركة في القرار السياسي، وهي تشكل نصف المجتمع ولا يمكن تحقيق الديمقراطية بدون مشاركتها.
ورغم أن المرأة الفلسطينية اقتحمت مجال النضال الوطني منذ بدايات القرن العشرين وبدء المؤامرة الصهيونية على فلسطين، وقامت بتنظيم صفوفها مبكراً وشكلت الجمعيات التي كان لها دور هام في رفد النضال الوطني، وشاركت في الأحزاب والتنظيمات السياسية وفي المواجهات مع جنود الإحتلال، أو إبان الأزمات والحروب التي مر بها الشعب الفلسطيني تحت الإحتلال وفي المنافي، وشاركت في إنتخابات النقابات والإتحادات الشعبية وفي الأحزاب والمنظمات السياسية داخل أطر منظمة التحرير، إلا أن المرأة الفلسطينية ظلت بعيدة عن مواقع صنع القرار إلا في حالات نادرة وإستثنائية أو بحكم الضرورة.
وفي الواقع أن إقصاء المرأة عن المشاركة السياسية ومواقع صنع القرار لم يكن حصراً على المرأة الفلسطينية، وإنما كان ظاهرة عامة في البلاد العربية المستقلة بل في العالم حتى الدول المتقدمة منه، نظراً لاستمرار ظاهرة التمييز ضد المرأة التي حرمتها من كثير من حقوقها الإنسانية بما فيها الحق في المشاركة السياسية من خلال حق التصويت والترشح في الإنتخابات.
وإذا كانت المرأة الفلسطينية لم تحصل على حقها بالمشاركة في التصويت والترشح قانوناً إلا في عام 1974 من خلال قانون الإنتخاب الأردني، وعام 1976 بقانون الإحتلال والحكم العسكري، لعدم وجود سلطة وطنية مستقرة على الأرض للشعب الفلسطيني، ووجود الشعب الفلسطيني تحت الإحتلال أو في المنافي في ظل أنظمة وسلطات لاتمثل تطلعات الشعب الفلسطيني في التحرر وتقرير المصير. فان المرأة في البلاد العربية المستقلة لم تسبقها بكثير. ورغم أن المرأة اللبنانية كانت أول إمرأة عربية حصلت على حق التصويت والترشح في القانون عام 1952، إلا أنها لم تدخل مجلس النواب إلا عام 1991 وبالتعيين، كما حصلت المرأة السورية على الحق بالتصويت والترشح عام 1953 وأيضاً لم تدخل مجلس النواب إلا عام 1973، وكانت المرأة المصرية الأولى بين النساء العربيات التي حصلت على حقها بالتصويت والترشح عام 1956 ودخلت مجلس الشعب عام 1957 بالإنتخاب، تليها المرأة التونسية عام 1959. ولا تزال المرأة في بعض الدول العربية حتى يومنا هذا لم تحصل على حقوقها الأولية بالمشاركة في التصويت والترشح، ومنها الكويت التي لم تحصل المرأة فيها على هذه الحقوق إلا مؤخرأً وبعد صراع طويل دام لسنوات بين النساء ومجلس النواب الكويتي. ومن الجدير بالذكر أن المرأة في سويسرا لم تحصل على حق التصويت والإقتراع إلا عام 1971 ودخلت إلى البرلمان في ذات العام بالإنتخاب، وظل تمثيل المرأة في مواقع القرار متدنياً في الغالبية العظمى من دول العالم بما فيها الدول المتقدمة.
وقد انهمك المجتمع الدولي في العقود الثلاث الأخيرة من القرن الماضي (القرن العشرين)، بعقد أربع مؤتمرات دولية ووضع الخطط والبرامج والإستراتيجيات للنهوض بالمرأة، بعد أن أدرك المجتمع الدولي تأثير استمرار ظاهرة التمييز ضد المرأة على تعثر مخططات التنمية في العالم وخاصة في الدول النامية أواخر عقد الستينات، ودعى الدول إلى تطوير مشاركة المرأة في عمليات التنمية المستدامة وفي رسم السياسات وصنع القرارات. وقد شاركت المرأة الفلسطينية ممثلة بالإتحاد العام للمرأة الفلسطينية في هذا الحراك الدولي وكان لها بصمة واضحة فيه، من خلال مشاركتها بصفة مراقب في لجنة وضع المرأة The Commission on the Status of Woman في الأمم المتحدة منذ العام 1975.
بعد عودة منظمة التحرير الفلسطينية عام 1994 وإقامة السلطة الوطنية، طرحت الإنتخابات العامة كأحد بنود إتفاقية إعلان المبادئ، وبدأ الإعداد لها بوضع أول قانون للانتخابات العامة في فلسطين عام 1995(للمرحلة الانتقالية). وبينت استطلاعات الرأي التي أجريت في هذا العام من قبل مركز البحوث والدراسات الفلسطيني (CPRS)، أن 75% من النساء و72% من الرجال يؤيدون تمثيل المرأة في المجلس التشريعي، وأن 70% من النساء و60% من الرجال يرون في المرأة قدرة على القيادة. كما بين استطلاع للرأي أعده مركز القدس للإعلام والاتصالات (JMCC)، أن 81% من النساء و63% من الرجال ستعطي صوتها لإمرأة مرشحة قديرة، وأن 76% من النساء و52% من الرجال يؤيدون مبدأ تخصيص كوتا للمرأة في المجلس التشريعي. إلا أن المرأة الفلسطينية خاضت أول تجربة انتخابية عامة عام 1996 وهي مفككة تنظيمياً، ورغم الحماس الشديد الذي أبدته النساء للمشاركة في الإنتخابات، إلا إنها خاضت التجربة بدون خبرة كافية وبشعارات مثالية عامة، مثل ” بالمشاركة تصنعين الحدث “، وفي ظروف استثنائية حرجة وسريعة، لم تفسح المجال للتنسيق وتكوين تيار نسوي متوافق.
وقد ترشحت للإنتخابات 27 إمرأة مقابل 646 مرشح رجل، أي بنسبة لاتزيد عن 4% من إجمالي المرشحين. وتمكنت خمس نساء فقط من الحصول على مقاعد في المجلس التشريعي أي بنسبة 5,6 % من عضوية المجلس، ورغم أن هذه النسبة في أول إنتخابات تشريعية فلسطينية هي أكثر من ضعف معدل نسب تمثيل المرأة في البلاد العربية التي تتمتع بنظام برلماني في ذلك الوقت، إلا أنها لم تلبي طموح المرأة الفلسطينية ولاتتناسب مع دورها في النضال الوطني وأقل من نسبة التمثيل التي وصلت إليها ما يقارب 10% في المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام 1980.
أتاح نشوء أول كيان وطني للشعب الفلسطيني مجالاً لإهتمام المرأة بحقوقها الإجتماعية والسياسية، وأن يتقدم الإتحاد العام للمرأة والمنظمات النسائية بإعلان وثيقة مبادئ لصون حقوق المرأة عام 1994، كما أتاح إنتخاب المجلس التشريعي عام 1996 مجالاً للنساء لتنظيم جهودهن في مراجعة مشاريع القوانين والتشريعات التي يعمل عليها المجلس وإقتراح التعديلات التي من شأنها تأمين حقوق المرأة في القانون الأساسي وقانون العمل والخدمة المدنية.. الخ.
عندما طرحت الإنتخابات منتصف العام 2002 في خضم الحوار الوطني الواسع الذي عم أرجاء البلاد بعد إجتياح قوات الإحتلال الإسرائيلي لأراضي السلطة الوطنية، وإعادة إجتياح المدن الفلسطينية، وإنكشاف ضعف أداء المؤسسات الوطنية الرسمية منها والأهلية، باعتبار الإنتخابات آلية كفاحية لتطوير وإصلاح النظام السياسي وتجديد شرعية مؤسسات السلطة الوطنية وتعزيز الصمود الوطني في مواجهة المخططات التدميرية لقوات الإحتلال. بادرت منظمات المجتمع المدني ومعها المنظمات النسائية للمطالبة بتعديل قانون الإنتخاب لعام 1995، والعمل من أجل وضع قانون عصري ديمقراطي يكفل مشاركة منصفة للنساء. ووجد الإتحاد العام للمرأة والمنظمات النسائية في ذلك فرصة للعمل على لتطوير مشاركتها في العمل السياسي ومواقع صنع القرار. وأطلقت حملة وطنية لتطوير مشاركة المرأة في الإنتخابات، ضمت جميع أطياف ومجالات العمل النسائي خاضت مع منظمات المجتمع المدني (الأحزاب والقوى السياسية المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية ) وعدد من منظمات العمل الأهلي على مدى ثلاث سنوات صراعاً مضنياً وطويلاً في ظروف استثنائية صعبة سياسية وعسكرية وإنسانية من أجل تعديل قوانين الإنتخاب الفلسطينية وتأمين حصة مضمونة ( كوتا ) للمرأة لاتقل عن 20% فيها. وقد تمكنت حملة الكوتا بعد صراع طويل من الحصول على كوتا للمرأة لاتقل عن 20% من هيئات مجالس الحكم المحلي، ومن القوائم الإنتخابية على نظام النسبية لنصف مقاعد المجلس (66) مفعداً،
وهنا أوضح أنني لست بصدد الحديث عن تجربة الحملة (عرفت اختصاراً بحملة الكوتا) التي تم توثيقها في كتاب تحت عنوان “خطوة إلى الأمام”، ولكنني سأتطرق بشكل عام وموجز لتجربة المرأة الفلسطينية في الإنتخابات الأخيرة بعد إقرار الكوتا النسائية.
تجربة المرأة في الإنتخابات:
بالرغم من وجود مشاركة نسائية يتيمة في الترشح للإنتخابات الرئاسية، ورغم مافيها من جرأة وريادية، إلا أنها ظلت تجربة خاصة لا يمكن تناولها كتجربة جدية، وقد تمت بغرض التجربة وتسجيل موقف حيال حق المرأة في الترشح للإنتخابات الرئاسية على غرار ما حدث في الإنتخابات الرئاسية عام 1996، حيث لم تمتلك أي من المحاولتين شروط المنافسة الفعلية على الأرض. ولكن التجربة الحقيقية التي يمكن تسجيلها هي تجربة النساء المرشحات لمجالس الحكم المحلي، قبل إعتماد النظام النسبي (الترشح على القوائم) في قانون الإنتخاب
استغرقت حملة تغيير قوانين الإنتخابات وإقرار الكوتا النسائية ما يقارب الثلاث سنوات، واستنفذت وقت وجهود المنظمات النسائية والمجتمع المدني، فلم تقر كوتا للمرأة في قانون إنتخاب هيئات الحكم المحلي إلا بعد إقفال باب الترشيح للمرحلة الأولى من الإنتخابات المحلية، مما أدى إلى فتح باب الترشيح للنساء فقط لمدة 24 ساعة. كما لم يقر اعتماد النظام النسبي لنصف أعضاء المجلس إلا بعد تأجيل الإنتخابات التشريعية أكثر من مرة خلال العام 2005. خاضت المرأة الإنتخابات في ظل حالة استقطاب سياسي وصراع حاد، بين قوى وفصائل منظمة التحرير غير الموحدة والمختلفة فيما بينها وفي داخلها كما حدث مع حركة فتح عندما طرحت قائمتين إنتخابيتين، وبين قوى الإسلام السياسي ممثلاً بحماس، ذات القاعدة الشعبية الواسعة تحت شعارات دينية وجهادية (مقاومة) تجتذب مشاعر التأييد من المواطنين بما تعد به من إصلاح وتغيير.
لقد فوت هذا الصراع الحاد على النساء فرصة تركيز الجهود على تكوين تيار ضاغط لدعم المرشحات المؤهلات لحمل هموم وقضايا المرأة والوطن معاً، وأدت الإنقسامات والصراعات الى انحياز الأحزاب والقوى السياسية للمرشحات على أساس الموالاة التنظيمية لأقطاب الصراع، ومن ذوات الحظوة الإجتماعية (العشائرية والعائلية) أوالنفوذ المالي، وتراجعت معايير الكفاءة والقدرات الشخصية، الخبرة السياسية والنسوية، ليس في الترشيح فحسب بل وفي الإنتخاب، عندما لم تتمكن أي من المرشحات على نظام الدوائر (ترشحت 15 إمرأة ) من الفوز بمقعد. كانت هذه الثغرة الأولى التي واجهت إنجاز الكوتا النسائية، حيث لم تكن بين مرشحات الأحزاب أي من الكوادر والقيادات النسائية المشهود لها بنضالها النسوي، اللاتي لهن دور واضح في تحقيق إنجازات في مجال حقوق المرأة. وهنا نميز بين وجود نساء في صفوف التنظيمات السياسية تناضل لأهداف سياسية وطنية وبين النساء اللاتي يمتلكن الوعي بأهمية النهوض بالمرأة في عملية التغيير الإجتماعي والديمقراطي وارتباطها الوثيق بعملية التحرر الوطني، والقدرة على العمل بحيث لاتبقى النساء مجرد وقود في الحراك الوطني السياسي داخل حركة التحرر الوطني وإنما شريكة في صنع السياسات واتخاذ القرارات، وبحيث لا يكتفى بالتمثيل الرمزي والشكلي أو العددي للمرأة في مواقع القرار تجنباً للنقد أو رفعاً للعتب.
ورغم أن نتائج إقرار الكوتا النسائية فاجأت الجميع بإقبال النساء على الترشح للمجالس البلدية، بعد أن كانت إحدى حجج المعارضين للكوتا أن النساء لن تتمكن من الترشح في كثير من المناطق البعيدة عن المدن، مما جعل اللجنة القانونية في المجلس تبدأ المادة الخاصة بالكوتا ب ” حيث ترشحت إمرأة…. الخ”. في حين أثبتت تجربة الكوتا أن النساء لم تتمكن من الترشح في منطقتين فقط من بين ما يقارب أربعمائة مجلس بلدي وقروي.
هذا لا يعني أن النساء المرشحات لم تواجة صعوبات، فقد برزت في وجه المرشحات عدد من العقبات، مثل التهديد بالطلاق أو بالقتل، والضغط على بعض المرشحات لعدم الترشح أو للإنسحاب منه لأسباب التنافس بين أفراد العائلة أو الحمولة، وهنالك أكثر من حالة تعرضت للإعتداء بالضرب. ولكن هذه الحوادث ظلت قليلة نسبياً أمام إقبال النساء بل والعائلات أو الحمائل التي وجدت فرصتها في ترشيح إمرأة.
كما واجهت النساء المرشحات أيضاً مشكلة في الحصول على براءة الذمة المالية، عندما تمت مطالبة النساء المرشحات بتسديد الرسوم والضرائب المستحقة على الأسرة، وكان هذا الموضوع أشبه بالنكتة، إذ تمت مطالبة المرأة التي نادراً ما تحصل على حق الملكية في العائلة بالإيفاء بمستحقات السلطة من الأسرة ككل، رغم حكم الشريعة الواضح بحق الذمة المالية المستقلة للمرأة، وهكذا فجأة أصبحت المرأة مسؤولة عن الذمة المالية للأسرة. وقد تم تلافي الأمر بالتدخل لدى اللجنة العليا للإنتخايات المحلية، التي تدخلت بدورها باعتبار المرأة مسؤولة عن دفع مستحقات ذمتها المالية المستقلة فقط.
ومن بين المشاكل التي واجهت المرشحات مشكلة طريقة إحتساب حصة المرأة في نتائج المرحلتين الأولى والثانية من الإنتخابات المحلية، التي حرمت عدداً من المرشحات من الفوز بمقعد، بسبب الصياغة الملتبسة لمادة الكوتا النسائية في قانون الإنتخاب كما وضعتها اللجنة القانونية في المجلس التشريعي. إن الأصل في إقرار مقعدين للمرأة على الأقل في كل مجلس محلي، يعني أن المقعدين مرشحين للزيادة في حال حصول المرشحة على أصوات منافسة للمرشحين الرجال، كأن تحوز على أعلى الأصوات أو تكون من بين الحائزين على أعلى الأصوات، وبذلك تفوز بمقعد إضافي عن العدد المقر كحد أدنى لتمثيل المرأة. هذا ما كان مطروحاً ومفهوماً أثناء مناقشة تمثيل المرأة في جلسة المجلس التشريعي لإقرار قانون الإنتخاب لمجالس الحكم المحلي. وهذ مالم يحدث لدى احتساب حصة المرأة بعد إنتهاء عملية الإقتراع وفرز الأصوات. حيث تم الإلتزام بمقعدي الحد الأدنى كحصة للنساء في كل مجلس حتى عندما حصلت مرشحة أو إثنتين على أعلى الأصوات أو كن من بين أعلى الأصوات حيث تم إحتساب فوزهن على الكوتا، وبهذا لم ترتفع نسبة تمثيل المرأة عن مقدين إلا في الحالات التي حصلت فيها أكثر من مرشحتين على أصوات منافسة للمرشحين الرجال كما حدث في مجلس الدوحة قضاء بيت لحم. ولوتم إحتساب حصة المرأة بالطريقة المقصودة أصلاً بتعبير الحد الأدنى، لتجاوزت نسبة تمثيل المرأة ال 30% في نتائج المرحلتين الأولى والثانية من الانتخابات المحلية، وبذلك حرم عدد من النساء المرشحات من الوصول لمقعد.
لقد جاء تأثير إقرارالكوتا النسائية بإقبال النساء على الترشح كما بنسبة الأصوات التي حصلن عليها مفاجئاً حتى لأكثر المتفائلين، حتى ذهب بعض معارضي الكوتا وبعض المرشحات الفائزات بنسبة عالية من الأصوات إلى الإدعاء بأن فوز المرشحات بهذه النسب من الأصوات، يثبت عدم وجود ضرورة للكوتا، وتغافلوا عن الفرق الهائل بين عدد المرشحات قبل إقرارالكوتا 49 مرشحة وبعد إقرار الكوتا وصل العدد إلى 139 مرشحة خلال فتح باب الترشح للنساء لمدة 24 ساعة فقط في المرحلة الأولى من الإنتخابات المحلية. بلا شك أن الكوتا لعبت الدور الأساس في تشجيع النساء على الترشح كما شجعت الناخبين/ات على التصويت للمرشحات بسبب وجود مقاعد مضمونة للنساء، وبدون ذلك لم يكن ممكناً أن يحدث ما حدث.
الكوتا النسائية فرصة ضائعة أم خطوة إلى الأمام:
منذ بدء العمل على تعديل قانون الإنتخاب وإنطلاق الحملة الوطنية لتطوير مشاركة المرأة فيها عبر المطالبة بتخصيص حصة للمرأة ( كوتا) وحتى إقرارها، كنا نعلم أن الكوتا ليست نهاية المطاف في تطوير مشاركة المرأة وما هي إلا وسيلة لتشجع النساء على الترشح والناخبين/ات على الإقتراع للمرشحات النساء، وأن التطور الفعلي يتم عبر التجربة التي تكتسبها النساء من خلال عملية الحوار الذي دار داخل المجتمع حول حق المرأة بالمشاركة وأهمية هذه المشاركة، مابين مؤيد ومعارض والذي انعكس بالتغير الذي حدث في إتجاه الرأي العام نحو حق واهمية مشاركة المرأة، وتأييد أعتماد حصة لها من المقاعد في المجالس الحلية وفي التشريعي. كما أن تجربة النساء خلال الصراع الذي خاضته النساء في حملة الكوتا وامتد إلى ما يقارب الثلاث سنوات وما تخللها من ممارسة أساليب متعددة في التأثير والتفاوض التي تكللت بتحقيق هدف الحملة المباشر بإقرار كوتا للمرأة. كما أن التجربة التي خاضتها النساء وما ترتب عليها من جدل وحوار وتحالف أو تفاوض، ثم تجربة إدارة الحملة الإنتخابية ووضع برنامج إنتخابي ومراقبة تطور إتجاهات المجتمع سواء في العائلة أو في الحمولة أو في الحزب أو الحركة السياسية، كل هذا سيطور من قدرة النساء على خوض المعارك الإنتخابية. ويضاف إلى ذلك وجود عدد من النساء في المجالس سيجعل المجتمع يراقب تجربة المرأة وسيكتشف أن النساء عضوات المجالس مثل أعضاء المجالس من الرجال، يوجد بينها القديرة وغير القديرة.
وقد كان المؤمل بعد الحصول على حصة للمرأة في قانون الإنتخاب وإزدياد عدد النساء في المجالس المحلية وفي التشريعي، أن تتحول الحملة الوطنية لتطوير مشاركة المرأة إلى لجنة متابعة لمراقبة تجربة المرأة في المجالس المختلفة وخاصة المجلس التشريعي الذي يعول عليه في وضع القوانين والتشريعات إضافة إلى دوره الرقابي على أداء السلطة التنفيذية، حيث تقوم هذه اللجنة بدور الطاقم المساند لعضوات المجلس التشريعي من أجل متابعة أجندة حقوق وقضايا المرأة المرأة خلال عملية إعداد مشاريع القوانين وإقرارها.
إلا أن حالة الشلل التي أصابت المجلس التشريعي نتيجة للصراع الحاد الذي ساد الساحة السياسية بعد دخول حركة حماس المعترك السياسي، وانقلابها على برنامج رئيس السلطة وبرنامج م ت ف. وقد تجمد الدور النسائي في المجلس عند هذه الحالة من الشلل خاصة ونحن نعلم أن الغالبية العظمى من النساء جاءت على قوائم القوى المتصارعة. وبالتالي فهن غير قادرات على أي نوع من المبادرة سواء على صعيد عمل المجلس أو على صعيد الحالة السياسية التي بلغت ذروتها في انقلاب حماس الدموي على السلطة.
إن النظر للنتائج المباشرة للكوتا من خلال دور المرأة في المجلس التشريعي، يجعلها تبدو مثل فرصة ضائعة، ولكن إذا نظرنا إلى الكوتا من خلال كونها شقت الطريق أمام مشاركة المرأة في مواقع القرار لتصبح أمراً طبيعياُ، بل أنها تكاد تتحول إلى تقليد لدى القوى والأحزاب والنقابات، فلا شك أن مشاركة المرأة بعد الكوتا هي إنجاز، سوف يؤدي مع مزيد من التجربة والوقت إلى إنضاج وتطوير مشاركة المرأة في مواقع القرار.