مواجهة قضايا العنف ضد المرأة في فلسطين

لقد أصبح معروفاً إن مشكلة العنف ضد المرأة لا تقتصر على مجتمع دون غيره ،بعد أن أثبتت كافة الدراسات التي تناولت مشكلة العنف ضد المرأة، أن هذه المشكلة هي ظاهرة عالمية، وليست مرتبطة بالمستوى الاجتماعي أو الاقتصادي، وبغض النظر عن الدين أو العرق  أو اللون. وهي مشكلة تعاني منها النساء في كل مكان ونجدها في كافة المجتمعات وإن اختلفت أشكالها ودرجة حدتها. وبالرغم من الانتشار الواسع لهذه المشكلة لم تحظى بالاهتمام الكافي إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، بعد الاهتمام الدولي بقضايا المرأة وربطها بقضايا التنمية المستديمة وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

أما بالنسبة للمجتمع الفلسطيني، فقد كان للظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، الدور الأكبر في تحديد أولويات قضايا النضال المجتمعية، حيث احتلت قضايا النضال الوطني التحرري القسط الأكبر من اهتمام فئات المجتمع بما فيها النساء. ولم تكن قضية العنف ضد النساء قضية ملحة، أمام أشكال العنف التي تمارسها قوات الاحتلال ضد جميع فئات الشعب الفلسطيني. وقد أدى تركيز العمل على القضايا الوطنية والسياسية إلى تهميش الاهتمام بالقضايا الاجتماعية  وخاصة قضايا حقوق المرأة وما يرتبط بها من مشاكل اجتماعية وخاصة قضية العنف الموجه ضد المرأة. إضافة إلى أن ظروف القمع السياسي والاضطهاد المتواصل الذي عاشه الشعب الفلسطيني، لم تسمح بتطوير قوانين وآليات لمواجهة مشكلة العنف ضد المرأة، مما أدى إلى استفحال هذه الظاهرة. 

مع بدء مرحلة الحل السياسي ودخول السلطة الفلسطينية، بادرت منظمات المجتمع والمنظمات النسائية للانخراط في العمل على قضايا التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبدأت تكثف برامجها في مجال التوعية والتثقيف حول حقوق المرأة والانتهاكات التي تتعرض لها وخاصة مشكلة العنف ضد المرأة.

برامج مواجهة العنف ضد المرأة : 

منذ بداية عقد التسعينات بدأت عدد من الجمعيات  والمراكز النسائية تضع ضمن برامجها : 

  • برامج  للتثقيف ورفع الوعي بحقوق المرأة والمشاكل التي تواجهها .
  • محو الأمية والتثقيف بالقوانين والتشريعات المتعلقة بالمرأة. 
  •  تقديم استشارات وإرشادات للنساء التي تواجه مشاكل اجتماعية أو عائلية أو قانونية.
  •  تقديم خدمة الخط الساخن ، وخدمات إرشاد نفسي واجتماعي، وخدمات قانونية.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت خدمات بعض الجمعيات والمراكز تتطور إلى حد تقديم العلاج ومتابعة حل مشاكل العنف التي تتعرض لها النساء المسترشدات، وتامين الحماية لهن في حال تعرض حياتهن للخطر. ويعتبر مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي من أوائل المراكز التي بدأت هذا النوع من النشاط، إلا أن جمعية المرأة العاملة في رام الله وجمعية الدفاع عن الأسرة في نابلس، هما الأكثر تخصصاً في مجال دعم وحماية النساء والفتيات المعنفات. بينما يركز مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي على تقديم الخدمات القانونية. وغالباً ما تحتاج هذه الجمعيات للتنسيق والتعاون مع المركز لمتابعة بعض الحالات على المستوى القانوني.

وقد راجعت جمعية المرأة العاملة على سبيل المثال مئات الحالات من النساء المعنفات منذ أن بدأت الجمعية بتقديم خدمة الخط المفتوح ( المساعد ) عام 1994، وتلاحظ المشرفات على هذه الجمعيات تزايد أعداد الحالات مع ارتفاع وتيرة العنف السياسي والعسكري ومع ارتفاع نسب البطالة، فقد راجعت الجمعية حوالي 30 امرأة وعائلة في النصف الأول من عام 2002. ورغم أن إعلانات الجمعيات تستهدف النساء، إلا أن عدد كبير من الأطفال والشباب والرجال يراجعون فروع الجمعية في بيت لحم وطولكرم ونابلس بالإضافة لفرع رام الله.

ويشمل برنامج الإرشاد والاستشارة لدى الجمعية أربعة أنواع من الخدمات: خدمة الإرشاد والدعم للنساء المعنفات، خدمة التدخل في الظروف الصعبة، الخط المفتوح، وخدمة الدعم النفسي الاجتماعي بالتعاون مع مؤسسات أخرى في المجتمع المحلي، مثل: سكرتاريا الطفل برنامج غزة للصحة النفسية، الهلال الأحمر الفلسطيني. الخ. ويعمل في البرنامج عدد من الاخصائيين النفسيين والمرشدين النفسيين والاجتماعيين، بالإضافة لعدد من المتطوعين/ات من خريجي العلوم الإنسانية والذين يتلقون تدريباً لمدة 60 ساعة على الإرشاد المجتمعي.

كيف تجد النساء المعنفات طريقها للجمعيات؟

تقوم الجمعيات بالإعلان عن خدماتها وبشكل مكثف 2-3 مرات في الأسبوع بواسطة وسائل الإعلام المحلية والوطنية المطبوعة ( الصحف ) ، و المسموعة  والمرئية ( الإذاعة والتلفزيون ). وعن طريق برامج الجمعية الميدانية . وقد ذكرت المرشدات النفسيات في هذه الجمعيات أن النساء المعنفات يعرفن طريقهن للجمعية غالباً عن طريق الإعلانات. وأن بعض النساء والفتيات يأتين إلى الجمعية بمساعدة أحد المعارف أو الأصدقاء أو الأقارب، إما مباشرة أو بعد اللجوء لإحدى المؤسسات الوطنية، مثل: المستشارة القانونية في المحافظة، مديرية الأسرة في وزارة الشؤون الاجتماعية أو الشرطة، التي تقوم بدورها بتحويلها للجمعية. 

وتتوجه المسترشدة إلى الجمعية عن طريق الاتصال الهاتفي (الخط العادي أو النقال)، أو بالحضور شخصياً إلى الجمعية. 

وتقدم الجمعيات خدماتها بالإضافة للنساء المعنفات، إلى أي فرد من أفراد الأسرة يتعرض لأي نوع من أنواع العنف، أو يعيش في جو عائلي يمارس فيه العنف ويشعر أنه يحتاج إلى المساعدة والاستشارة. وتأتي الحالات من جميع مناطق السلطة الوطنية، ومن داخل الخط الأخضر، وحديثاً بدأت تأتي حالات من السجون الإسرائيلية. 

أنواع الحالات التي تتوجه للاسترشاد:

يلاحظ أن المتوجهات للجمعيات طلباً للمساعدة 

كيفية استقبال الحالات:

بعد الاتصال من قبل المسترشدة لشرح المشكلة التي تعاني منها ولا تستطيع البوح بها لأحد. تقوم المرشدة :

  • بالترحيب بالمسترشدة وتعريفها بخدمة الخط المساعد ( المفتوح )، ومنحها الثقة       بالتأكيد على سرية كل ما تتكلم به، مع المحافظة على علاقة جدية ومهنية.
  • الاستماع الإيجابي والإنصات باهتمام مع خلق شعور بالراحة والدفء والأمان.
  •  الاستفسار عن المساعدة المطلوبة والمتوقعة من الجمعية.
  •  تلمس المشكلة مصدر المعاناة وحجمها ( التوتر والقلق أو الاضطراب أو الصدمة أو الخوف والألم والإحباط واليأس )، وتوصيل الشعور بتفهم المعاناة والتعاطف معها. وبث الشعور بالأمل بإمكانية التعاون قدر الإمكانيات المتوفرة للتوصل إلى حل للمشكلة.
  •  يتم فحص إذا ما توجهت المسترشدة إلى أي من المراكز أو الجهات قبل الاتصال بالجمعية.
  •  يتم التطرق إلى كافة الظروف المحيطة بالمسترشدة والأطراف ذات العلاقة عن طريق توجيه أسئلة مفتوحة وواضحة، مع عدم الضغط للحصول على إجابات.
  •  يتم التعرف على المشكلة ونوع العنف الذي تعرضت له المسترشدة ( نفسي، جسدي، قانوني، اقتصادي، إهمال، إيذاء، حرمان..الخ ). وكذلك معرفة عمر المسترشدة والوضع الاجتماعي لها ( متزوجة، أرملة، عزباء أو مطلقة ). عن طريق الاسئلة المفتوحة وبالاستفادة من العبارات التي تصدر عن المسترشدة وتساعد في تحديد المشكلة وإمكانيات التوصل إلى حل.
  •  فحص إمكانية وجود أطراف مساندة وداعمة للمساعدة في الحل مثل : الأقارب، الجيران، بعض الشخصيات أو العائلات من ذوي النفوذ الاجتماعي أو الرأي السديد بالنسبة لأطراف المشكلة.
  •  يراعى عدم إسداء النصائح للمسترشدة أو إعطائها أوامر أو وجهات نظر شخصية.
  •  بعض المسترشدات بحاجة لتفريغ نفسي عن المشاعر، ويرغبن بالتوصل لحل سريع ومباشر في اتصال واحد أو جلسة واحدة، ومع ذلك يتم التمهيد بفتح المجال للإتصال عند الحاجة. والبعض الآخرمن المسترشدات بحاجة لعدة جلسات حسب الحالة.
  •   يتم تلخيص الأفكار الرئيسة التي تم استخلاصها، وإعادتها على أسماع المسترشدة، لتساعد في عكس الوضع النفسي لها.
  •  يتم تبصير المسترشدة ورفع درجة وعيها بحالتها، لتستطيع التفكير بطريقة موضوعية تساعد في التوصل إلى حل، كما تساعد في تقويتها لتصبح التجربة التي تمر بها خبرة تستفيد منها مستقبلاً لحل مشاكلها بنفسها ومواجهة الظروف الصعبة التي تعترضها، حتى لو توفرت لها مساعدة الآخرين.
  • معظم المسترشدات بحاجة لبرنامج علاجي يتم من خلاله متابعة الحالة، ووضع الخطوات الرئيسة للحل وفحص إمكانية تنفيذها، وتحديد الجهات الداعمة والمساندة للمسترشدة.

أضف تعليق