ان ما سأقدمه في هذه الورقة ليس حصيلة معرفتي النظرية التي حصلت عليها من دراستي في علم النفس او من مطالعاتي الادبية والعلمية فقط، ولا هي من تجاربي العملية في حياتي الخاصة او من عملي مع النساء فقط وانما ايضا من مشاعرواسئلة تراوحت في نفسي طويلاً، جنباً الى جنب مع الافكار والمفاهيم التي تدفقت في عقلي من حركتي في هذه الحياة ، والتي ساقوم بعرضها في هذه الندوة بسرعة مجحفة ، وهي جديرة بكتاب آمل ان اتمكن من انجازه قريبا” .
قالت لي جدتي وانا في السابعة من عمري، تعليقاً على شهادتي المتفوقه، ليت الله خلقك ولداً، فجمدت عبارتها فرحتي، وسألتها : لماذا يا جدتي ؟ الا يجوز ان تكون البنت شاطره؟ فقالت : وماذا ستفعلين في شهادتك ؟ هل ستعلقينها في المطبخ ؟ . احسست ان في كلامها شيئا” من الشفقة ، وشعرت ان فجوة” في عقلي انفتحت، وان شعوراً في داخلي انفجر، وانطرح سؤال كبير في رأسي الصغير، هل علي ان اكون ولداً لاكون ما انا عليه ؟!
كثيرا” ماتذكرت هذه الحادثة في مواقف ومراحل مختلفة من حياتي، واعتقد انها لعبت دورا” في تكوين عقل نقدي لدي ، وضعني دائما” في موقع المعارضة .
لكم هي صعبة حياتنا نحن النساء .
يقول هرمان هسه:” كل ما اردته في حياتي ان اكون نفسي فلماذا كان بكل هذه الصعوبه؟”.
المقدمه : الاسئلة
اصبح من المعروف ان تقدم الدول يقاس بتقدمها العلمي والتقني و بقدرتها الانتاجيه ، وبوجود نظام سياسي ديمقراطي. وان المقياس المرادف في مجال تقدم الشعوب هو مدى تطور دور ومكانة المرأة فيها .
ان مجرد لقائنا في هذه الندوة لبحث اشكالية المرأة العربية والمشاركة السياسية، ونحن على ابواب القرن الواحد والعشرون، لدليل على اننا لا نزال نراوح مكاننا كأمه ( اذا كنا لا نتراجع )، وانه لا زال امامنا الكثير لننجزه رغم مرور ما يقارب القرن على بدايات النهوض العربي نحو الاستقلال والتحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة . ورغم ان بدايات القرن العشرين شهدت مشاركة واسعة للنساء في الحركات الوطنية، من اجل الاستقلال والتحرر الوطني والتي من ابرز امثلتها، الحركات النسائية في مصر والجزائر وفلسطين، خاصة اذا ما قورنت بحالة التخلف الشديد الذي كانت تعاني منه الشعوب العربية من آثار عهود الاستعمار الطويلة، والتي تقضي بوضع النساء في ادنى مراتب السلم الاجتماعي، وفي حالة من التبعية الكاملة وتنحصر دائرة حياتها في مهمات البيت ورعاية الاطفال، تحت سلطة رب الاسرة المتشدده .
فما الذي يدعو النساء لهذه المشاركة الفعالة في العمل الوطني، في مثل هذه الظروف الصعبة رغم ان المجتمع لا يطالبهن بذلك اصلاً ؟!
سؤال تردد في نفسي كثيراً وانا اعايش تجارب النساء في خضم النضال الوطني الفلسطيني، وخاصة النساء في المناطق الشعبية، والتي اشعر ان تجربتي معهن كانت من اغنى التجارب في حياتي وقد ايقظت وعيي على الطاقة الهائلة والابداعات العظيمة الخفيه والمهدروة لدى النساء، فزادت من ثقتي بنفسي كامرأه، وزادت ثقتي باهمية دور النساء في بناء المجتمع الانساني الصحيح .
لماذا تتقبل الشعوب ادواراً متميزه للنساء وخطره، في ظروف الحروب والازمات والكوارث، تم تعود لتنكر مشاركتها وتطالبها بالعودة الى مواقعها الاولى، وحتى عندما تتقبل مشاركتها فضمن شروط محددة لا تمكنها من المشاركة الفعالة في القيادة وصنع القرار ؟!
لماذا كل هذه الانتهازية والانانية من المجتمع ؟، في التعامل مع المرأة ودورها في الحياة والمجتمع ؟!
ولماذا هذه الازدواجيه في المفاهيم والافكار حول قيمة المرأة في المجتمع ؟، والتي تتراوح بين التعظيم والتقديس او الاحتقار والدونيه . الامر الذي يشي بازدواجية اخلاقية هائله، تؤدي الى تنشئة شخصيات مهزوزة وبنى عقلية مشوشه، و تقود مجتمعات شبه مريضه، جيلاً بعد جيل … فأين يكمن الخلل ؟!
اشكالية المرأة اشكالية عالميه
لقد شهد العالم على مدى العقدين الآخيرين اهتماماً دولياً خاصاً بقضايا المرأة، بدأ بتكريس عام 1975 عاماً دولياً للمرأة، ثم تكريس عقد كامل انتهى بوضع استراتيجية استشرافية دوليه للنهوض بالمرأة حتى العام 2000 في مؤتمر نيروبي عام 1985. وقد تسارع هذا الاهتمام في بداية التسعينات ومع اقتراب انتهاء العقد الثاني والاقتراب من العام 2000 وبداية القرن الواحد والعشرين، ومع تزايد القلق الدولي من استمرار ظاهرة التمييز ضد المرأة وتهميش دورها، وما يترتب عليه من هدر في الطاقة وتعطيل لقوى اساسيه في عمليات التنمية الشامله للمجتمعات . حيث بدأ العالم يدرك بوضوح ان من اهم العقبات التي تواجه خطط التنمية للمجتمعات، هي دور ومكانة المرأة في المجتمع .
ولقد وضعت البرامج وعقدت الندوات الاقليمية والدولية بمشاركة الحكومات والمنظمات الاهلية حول كافة مواضيع وقضايا المرأة في المجتمع . وتكللت هذه الجهود بإنعقاد المؤتمر الدولي الرابع للمرأة في بكين عام 1995، الذي خرج بخطة دولية شبه ملزمه للدول من اجل النهوض بالمرأة في كافة المجالات، و التي تعطي اهمية خاصة لمشاركة النساء في مواقع صنع القرار بنسب لا تقل عن 30% .
ان هذا القلق الدولي وهذه الجهود المتواترة تدل على ان اشكالية المرأة ودورها في المجتمع ليست اشكالية عربية فقط وانما هي اشكالية عالمية .
وان الاسئلة المطروحة سابقاً هي اسئلة مطروحة ايضاً على مستوى العالم ككل، وان كانت تبدو اكثر حدة” والحاحاً في عالمنا العربي .
اشكالية المرأة .. حديثه ! قديمة !
ان نظره على تاريخ تطور المجتمع البشري، تجعلنا ندرك ان اشكالية المرأة ودورها في المجتمع ظلت قائمة طوال مراحل التاريخ، وانها تتفاقم مع كل مرحلة تحمل تطورات في بنى وآليات المجتمعات، ومع ازدياد وتنوع احتياجات البشر فيها .
فلقد اهتم الفكر البشري السياسي ومنذ بدايات نشؤه على يدي افلاطون من (427-347 ق.م) الذي دعى الى تجنيد جميع المواهب لخدمة الدولة، بتعليم المتفوقين من الفتيات والشباب تعليماً عالياً ليتكفلوا بمسؤوليات الدولة العليا، ودافع عن اهمية مساهمة المرأة بنصيبها في تحمل اعباء الحياة السياسيه وحتى في التكاليف العسكرية، وهو عندما دعى الى ذلك لم يفعل من اجل انصاف المرأة ، وانما من اجل بناء المدينة الفاضلة . لكن ارسطو جاء بعده واختلف معه في ذلك، ودعى الى ابعاد المرأة عن المشاركة في السياسة والحياة العسكرية ودعى الى حصر وظيفتها في رعاية شؤون الرجل والاسرة .
وفي تاريخنا العربي ومع بدايات ظهور الاسلام . انطرحت الاشكالية بين الرسول الكريم محمد (صلعم) ومن حوله من الصحابه ورؤساء القبائل العربية عندما نزلت الآيات القرآنية تدعو الى المساواه وتحفظ حقوقاً للنساء كما تذكر فاطمة المرنيسي في كتابها ” الحريم السياسي ” مما دعى الرسول الكريم لان يؤكد في الحديث الشريف ” ان النساء شقائق الرجال ” .
ثم جاءت الثورة القرمطية واقامت دولتها في البحرين في الفترة مابين القرنين الثالث والخامس الهجريين، أي التاسع والحادي عشر الميلاديين، وامتد تأثيرها في التاريخ العربي الاسلامي في مناطق الاحساءوفي بلاد الشام والعراق واليمن ، وكان لها قوانين مدنية تكفل المساواة التامة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات، في كل مناحي الحياة وفي المشاركة السياسية، الى ان اسقطت هذه الدولة على ايدي الارستقراطية العباسية .
وفي القرن الثالث عشر الميلادي دعاالفيلسوف العربي والاسلامي ابن رشد الى ضرورة مشاركة المرأة في انتاج وحفظ الثروة المادية والفكرية للمجتمع وقال ” ان السبب في ضياع المدن وهلاكها، ان حياة المرأة فيها تنقضي كحياة النبات، فهي لا تساهم في صنع الثروة المادية والمعنوية للمجتمع او في الحفاظ عليها ” ، لكن الغزالي وهو الفيلسوف العربي الاسلامي ايضا” دعا الى: ان يتفرغ الرجال في المجتمع لشؤون الفكر والسياسة ، ويتركوا الاعمال المنزلية التي تذهب العقل وتقتل النفس للمرأة .
وظلت هذه الاشكالية تطرح حتى يومنا هذا ومنذ ان وقع الانقلاب التاريخي على المرأة ! ، فقد حدثتنا الاساطير القديمة للشعوب ان الآلهة بدأت اناثاً ثم انقلبت ذكوراً ؟ وان المجتمع البشري عبر محاولاته لتذليل الطبيعة لصالح بقائه وحياته ومن خلال تطويره لادواته، ابتدأ مجتمعاً اموياً، فكانت المرأة الام المستقرة في مكان مع اطفالها، جامعة الثمار ومكتشفة الزراعة، ورئيسة القبيلة، وجاء الرجل في مرحلة تالية ليحميها واطفالها بعد تطويره لادوات الصيد، ثم انقلب عليها وانتزع منها الرئاسة وصار المجتمع ابوياً، بعد ان سيطر الرجل على المرأة وامتلك الارض ومن عليها ومن الواضح ان المرأة رضخت للامرو قبلته في ذلك الوقت ، لان فيه مصلحة لحياتها واطفالها .ولكن هذا التقسيم لوظائف الحياه استمر، رغم تطور بنية المجتمع الانساني وتطور ادواته وحاجاته، وظلت هذه الاشكالية تتفاقم وتفرز اشكاليات عديده ومتنوعه.
نظرة جديدة لاشكالية المرأة
ومع استمرار هذه الاشكالية رغم محاولات التصدي لها عبر مراحل التاريخ المختلفة ، وحتى في الجهود الدولية الاخيرة التي لا تزال دائرة ، فان هنالك ما هو مسكوت عنه !! رغم تراكم العديد من نتائج البحوث العلمية سواء منها العلوم الطبيعية او العلوم الانسانية التي تؤكد على قدرات المرأة ، ورغم تراكم تجارب عديده وادوار متميزة للنساء في دول عديدة .
فما هو المسكوت عنه ؟! لنحاول ان ننظر للاشكالية بطريقة مختلفة ، او بنظرة جديدة .
دعونا نلقي نظرة على عالمنا العربي، على كل بلد فيه، والى العالم ككل بدوله النامية والمتقدمة، ماذا سنرى ؟، أزمات سياسية متفاقمة وحروب، ازمات اقتصادية وبيئية وثقافية وفكرية . مما يدل على حالة الافلاس التي تعاني منها القيادات السياسية الوطنية والدولية، حيث لم تعد قادرة على مواجهةاو معالجة احتياجات مجتمعاتها .وفي بلادنا كما في بلاد العالم يغزو الاحباط البشر صغاراً وكباراً ، نساءً ورجالاً، اميين ومثقفين، وتظل تنفجر صراعات قومية واهلية وحروب دولية وصراعات اقتصادية، كما تعاني المجتمعات من ظواهر القمع والاستبداد وانتهاك حقوق الانسان، ومن العنف والجريمة و الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي هذه الازمات والكوارث التي تهدد قيم الحياة ومعناها .
ونحن نعرف اننا كنساء لم نكن طرفاً اساسياً في هذا الخراب، فنحن لم نشارك في قرارات الحروب ، ولا في الصراعات السياسيه والاقتصادية ، ولا في وضع القوانين ولا في الفلسفه والعلوم . فقد اقصينا عنها ردحاً طويلاً من الزمن، مما يمنحنا بعض العزاء والقوة ، لكي نبادر الى طرح الاسئلة ومحاولة الاجابة عليها، لان قدرنا ان نشعر بالمسؤولية تجاه الحياة وتجاه حياتنا وابنائنا والاجيال القادمة للبشرية ، نشعر ان علينا ان نقدم حلولاً لهذه المشاكل ونظرة جديدة للحياه .
عودة الى الطبيعة :
ما جدوى كل ما يقوم به الانسان في حياته ان كان رجلا ام امرأة، اذا كان لا يسير مع الحياة ومن اجلها ، للتعبير عن وجوده كحركة فاعلة في الزمان وكينونه ؟ !
نخلق في هذا الكون مجموعة من الخلايا الحية الحاملة لقدراتها الخاصة، وقد خلقنا على انواع ودرجات، نحن لا نخلق متساويين ومتطابقين ابداً، لا في تركيب الخلايا البيولوجي ولا في شروط نموها وتكوين كينونتها، وهذا هو السر الجميل والعظيم للحياة، هذا التنوع الهائل الذي يخلق تفاعل الحياة وحركتيها الدائمة، الذي ينتج التفاوت والاختلاف وينزع للتوازن . فالتوازن ضرورة للحياة لكنه لا يستقر ابداً، وتظل حركيه الحياة تفرز خللا وتسعى الى توازن . الى مالا نهاية .
والانسان هذا الكائن الاكثر تركيباً بين الكائنات الحية والاكثر حركية ( هذا ما تقوله علوم البيولوجيا )، واذا كان القانون الاساس في الطبيعة هو الحركة، فان الثبات هو الخروج على قوانينها، ومهما حاول الانسان تذليل الطبيعة في حياته ومن اجلها، الا انه لا يقدر ابداً ان يتطاول عليها ، وقد سبق العلوم شكسبير عندما قال ” تعلم من الطبيعة ” .
واذا كانت طبيعة الحياة هي التنوع والسعي للتوازن، فان الحركة والتحول لا الثبات هما قوانينها الاسمى ، وليس هنالك تطابق تام لا في الكائنات الحية ولا في الاشياء، ولا في الاحداث، واننا لا نشرب من نهر الحياه ذاته مرتين ابداً .
وان من يحاول تثبت الحياه، او أي من مظاهرها، فانه يحاول ايقاف حركة الحياه والخروج على قوانين الطبيعة . فيوقف كينونته في اللحظة التي يثبت فيها رغم بقائه عضوياً على سطح الحياه .
وكما ان للطبيعة قوانينها فان لها طفراتها ، وتلعب الطفرات الدور الاهم في احداث القفزات النوعية في تطور الحياه، والطفرة في الطبيعة كانت تحدث بالصدفه، وصار الانسان يحدثها بارادته الواعية او غير الواعيه، من اجل مصلحته. بهذا الشكل الطبيعي والمركب، المنظور وغير المنظور تنجدل حياتنا وذواتنا ومجتمعاتنا، وقد تبدو لنا احياناً مثل لغز عجيب او اقدار كتبت علينا او تبدو كقواعد طبيعية للحياة وهي من صنع الارادة الانسانية بوعي او بدون وعي منها، ان تثبيت ادوار وانماط للبشر مع استمرارحركيه الحياه وتطور المجتمع وتنوع الاحتياجات والوظائف المطلوبة فيه، ادى الى مظاهر خلل اربكت المجتمع وافقدته توازنه .
ان العقلية الابويه التملكية الاحادية النظره والمهيمنة على الادوات وتوزيع الادوار ووسائل التعبير وادوات التغيير والموارد الاقتصادية، ادت بحكم النظرة الناقصة الى تشويه مفاهيم الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والفكرية، وشل طاقات فكرية ومادية كبيرة لدى النساء والاطفال والشباب . كما ادت الى حالة من الاحباط والشعور بالغربة لدى الانسان في مجتمعه .
يقول اريك فروم Erich Fromm عالم النفس المعروف الذي تركزت ابحاثه وكتاباته عن شعور الانسان بالغربة والعزله لانه انفصل عن الطبيعة وبقية البشر، في كتابه ” الانسان بين الجوهر والمظهر ” ” To have or to be ” ان الجريمة التي ترتكبها الانظمة القمعية الابوية، انها توقف كينونه الانسان عن نموها الطبيعي كفكر وكعمل وكوظائف طبيعية، وتحوله الى حيوان يبحث عن اشباع غرائزه، وتعيقه عن معرفة ذاته وما يدور حولها، وتحدد مسارات لعلاقاته الطبيعية وتوقفها .
كما يقول ان النظام الابوي بسبب الانانية التي خلقها ورعاها ، اصبحت الاولوية عند القائمين عليه هي النجاح والامجاد الشخصية وليست المسؤولية الاجتماعية .
ان قادة الدول والزعماء يتصدون لاعمال كثيرة تساعدهم على ان يتظاهروا بأنهم يقومون بشيء فعال لتلافي الكارثة ويعقدون المؤتمرات ويتخذون القرارات ويشكلون لجان المتابعة، ويجرون المفاوضات لفض النزاعات المسلحة، ويعقدون الاتفاقيات لمواجهة المشكلات . كل هذا يعطي انطباعاً بان ثمة ادراكا” لخطورة المشكلات، وان جهوداً تبذل لحلها، ومع ذلك لا يحدث شيء ذو بال، كل ما هنالك ان القادة والمقودين يخدرون ضمائرهم ويموهون على ارادة البقاء لدى الناس .
ويضيف اريك فروم ” ان الحضارة البشرية ككل تعاني من الهيمنة والتملك الابوي الذي عكس نفسه في الفلسفة والعلوم والقوانين، وان تحرير طاقات وملكات المرأة والمستضعفين، لتحقيق ذواتهم الانسانية والاجتماعية هو اساس تصحيح المجتمع . لان هؤلاء في رأيه لم يفقدوا بعد قدرتهم على العطاء من خلال التملك والهيمنة ولا زالوا قريبين من طبيعتهم الانسانية . وسيكون من السهل عليهم تحقيق كينونتهم من خلالها، بعد ان اخلت السلطات المهيمنة الابوية بقواعد الطبيعة الانسانية .
الا يحضرنا هنا هذا المقطع للشاعر محمود درويش في تعبيره عن رفضه للظلم الواقع على الشعب الفلسطيني والمعاناه الانسانية التي يعيشها ” اود لو اعيد ترتيب الطبيعة ” .
ولقد التفى فروم في طرحه هذا مع الافكار والتجارب المتناثرة التي بدأت تصوغها وتعبر عنها الحركات النسائية في الستينات والسبعينات من هذا القرن .
بعض الدعائم العلمية للنظرة النسوية :
لقد ايدت العديد من نتائج الدراسات في علوم الطبيعة والعلوم الانسانية وجود اختلافات بين المرأة والرجل في اساليب التفكير والعمل وفي النظر للاخلاق وللحياه ككل . وكان من اوائل من ايدت دراساتهم هذه الحقيقة هي كارول جاليجان Carol Galigan. وهي اخصائية في علم النفس والتطور (الاخلاقي)، عندما وجهت نقداً لنظرية لورنس كولبرج Lawrance Kholberg في تطور مستوى الحكم الاخلاقي، والتي لاقت اهتماماً كبيراً من الباحثين وعلماء النفس والاجتماع في الستينات وبداية السبعينات، مع تزايد نشاط حركات حقوق الانسان وتركيزها على القضايا الاخلاقية في سياسة الدول الكبرى على اثر حرب فيتنام.
حيث ادعت جاليجان أن نظرية كولبرج ونظام التصحيح المتبع فيها غير حساسين لسمات الانوثة، التي تنظر للاخلاق على انها رعاية واهتمام واحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين، وبأن نظريته تستند الى نظرة الرجل للاخلاق على اساس الواجب والحق والعدل .
وكانت جاليجان قد توصلت من خلال ابحاثها الى ان نظرة المرأة للاخلاق مختلفة عن نظرة الرجل، وقد عبرت عن ذلك في كتابها الصادر عام 1979 ” الصوت الآخر” The diffrent voice، رغم ان كولبرج عاد وراجع نظريته واكد ان الفروق التي تظهر بين النساء والرجال على مستويات الحكم الاخلاقي في نظرته ستتختفي عندما تحصل النساء على فرص مساوية في التعليم والعمل .
وقد قمت بنفسي بإعداد اطروحتي للماجستير في علم النفس التربوي باعداد دراسة حول هذه الفرضيه بعنوان:
” مستوى الحكم الاخلاقي ومفهوم الذات لدى المرأة العاملة مقارنة بغير العاملة “
وقد بينت نتائج الدراسة ان النساء العاملات اقدر فعلاً على محاكمة القضايا الاخلاقية من النساء غير العاملات، ويحصلن على درجات مساوية لدرجات الرجال ، ولكن محتوى الطريقة التي يفكرن ويعبرن بها عن مواقفهن الاخلاقية تظل مختلفة ، مما يلتقي مع فرضية جاليجان .
اما نتائج الدراسات في علم تشريح الدماغ ووظائفه، التي تمت على يدي فريق من علماء تشريح الدماغ بقيادة الدكتورة روجر سبيري Roger sperry الذي نال جائزة نوبل على هذه الابحاث عام 1981، ومن بين هؤلاء العلماء “M . C Witrok ” الذي وضع كتابا حول الدماغ الانساني ” The Human Brain ” .
وتستند الاخصائية النفسية د. جويس برذرز Dr. Joyce Brother في كتابها ” كل ما يجب ان تعرفه المراة عن الرجل ” على نتائج هذه البحوث التي بينت ان للدماغ جانبين ايسر وايمن ويقوم كل منهما بوظائف مختلفة عن الأخر، فالجانب الايمن يستوعب المعلومات على شكل فئات معلوماتيه او على شكل فقرات وحزم وليس خطوه خطوة او بالتفصيل، أي انه منطقي يربط المعلومات بعضها ببعض فورا لتكوين المفهوم الاجمالي ، كما يربط سلسلة من المفاهيم في منظومه مفاهيمية عامة وكليه . وقد وجد ان الرجال غالباً هم اكثر تكيفاً لاستخدام هذا الجانب وبكفاءة اكثر من النساء، اما النساء فهن اكثر تكيفا واستخداما للجانب الايسر من الدماغ الذي يتطور عادة عند النساء اسرع منه لدى الرجال، وهو يقوم بوظيفة استيعاب اللغة في الكلام والقراءة والكتابة، وتستخدم المرأة هذا الجانب بكفاءة ولكن ليس اكثر من الرجل .
والحقيقة الثانية ان دماغ الرجل متخصص، فهو يستخدم الجانب الايمن من الدماغ بكفاءة عندما يتعامل مع القضايا العمومية والكلية، والمعادلات الهندسية الفراغية التي تتطلب تفكير عام (شامل لتفاصيل كثيرة) لكنه غير تفصيلي. في حين ان دماغ المرأة غير متخصص اذ ان المراة تستخدم جانبي الدماغ في حل المشكلات، لان قدرات كل من جانبي الدماغ موجودة الى حد ما لدى الآخر .
وهكذا فان وظائف الدماغ مختلفة لدى كل من المرأة والرجل ، والامر الطبيعي ان يكون هذا الاختلاف من دواعي حسن الحظ عند الانسان لان لديه طريقتين في التفكير والتعلم ولكن سؤء فهم وتقدير هذا الاختلاف وعدم توظيفه في الحياة العامة للمجتمع ادى الى العكس تماماً.
ان النساء والرجال لا يفكرون ولا يعبرون بنفس الطريقة، وهذا التوزيع لوظائف الدماغ يعطي المرأة ميزتين :
الاولى : ان المرأة اكثر ادراكا وحساسية للفرق بين الكلام والمعنى المقصود التعبير عنه، ولذلك فان قدرتها على تمييز معاني اللغة ادق واكثر حساسية، لمعرفة وفهم المشاعر الحقيقية للناس.
الثانية : انها اقدر على التغلب على آثار الحوادث والامراض التي يمكن ان تصيب او تؤثر على وظائف الدماغ، حيث يستطيع أي جانب من الدماغ بشكل اسهل واسرع التكيف على القيام بوظائف الجزء المصاب او الناقص .
وتؤيد هذه النتائج لدراسات علوم الدماغ الانساني نتائج دراسات الاستاذه في علوم اللغويات د. ديبو را تانين Debora Tannen والتي وجدت من خلال ابحاثها ايضا ان اساس معظم حالات الخلاف والمشاكل داخل العلاقات بين المرأة والرجل سواء في العلاقات الحميمة كعلاقات الحب والزواج او داخل العمل او في العلاقات العامة والتي كثيرا ما تؤدي الى توقف او انقطاع هذه العلاقات، يعود الى سوء الفهم، بسبب الاختلاف في اساليب المرأة والرجل في التفكير والتعبير، والتي تعزوها الى اختلاف اساليب التنشئة واختلاف الادوار والمواقع في المجتمع، والى مفاهيم خلفية ومسبقة مثل الارتباط والاستقلالية ، التي بالرغم من ان جميع الناس بحاجة للاثنين معاً ، أي بحاجة لوجود علاقات حميحه في حياتهم وللشعور بالاستقلالية، الا ان النساء اكثر ميلا للتركيز على الارتباط بعلاقات حميمة والرجال اكثر ميلا للاستقلالية .
كما وجدت د. تانين ان غالبية النساء تشعر انها تحتاج للتشاور مع رفيقة او رفيق في حياتها، في حين يلجأ الرجال لاتخاذ قراراتهم بشكل تلقائي لوحدهم دون استشارة رفيق الحياه، مما يعكس اختلاف في مفاهيم واساليب اتخاذ القرار لدى كل منهم . وقد وجدت ان الاختلاف في الموقع الاجتماعي يعود اصلا الى التمييز بين المتحدثين، مثل زوج زوجه، رجل وامرأه، رئبس مرؤوس، ابيض واسود .. الخ، وقد جمعت تانين آلاف الحوارات بين الرجال والنساء ، من اشكال اختلاف التعابير واختلاف المعاني المقصودة لنفس الكلمات التي تنبع من اختلاف المواقع التي يقف فيها كل من المتحاورين .
وفي ما يلي بعض الامثلة :
– قالت فتاه انها لم تفهم لماذا همس لها خطيبها الذي يحبها ذات يوم، وهو مؤمن جداً بالمساواة بين المرأة والرجل، اخفضي صوتك، ان اصدقائي في المدخل ولا اريدهم ان يأخذوا انطباعاً انك توجهين لي اوامر.
_ ان المرأة عندما تشاور الاخرين تحاول ان تستفيد من الاستشارة، او عندما يطلب منها احد ان تفعل شيئاُ فانها غالباً تفعله ، لكن الرجل يقاوم حتى اقل قدر من الآراء او النصائح خاصة اذا كانت من امرأه .
_ ان من الصفات الملتصقة بالمرأة انها كثيرة الالحاح في النقاش والشرح او الطلب، ربما لانها تعتقد ان مزيداً من الحديث قد يوضح وجهة نظرها، وبجعل الآخر يفهم ما تقصد اكثر . ولكن الرجل عادة يكون برماً ويود لو يتخلص من الحديث لانه لا يريد ان يشعر انه يتبع تعليمات واوامر، وغالباً ما يتأخر في تنفيذ العمل اذا كان ما يريد ان يفعل مشابه لما قالت ، لكي يتخيل انه يفعله من تلقاء نفسه.
_ عندما يكون زوجان في الطريق يبحثان عن عنوان ما ، فان المرأة لا تجد غضاضه من السؤال والبحث عن معلومات تساعدهما في الوصول للعنوان ، في حين يقضي الرجل وقتا” اطول في البحث قبل ان يضطر للسؤال فهو لا يشعر بالراحة من ذلك، انه يحب الشعور بأنه قادر لوحده على تحقيق هدفه .
– عبرت الزوجة عن استيائها ، عندما اعد الزوج لنفسه فنجانا” من القهوة ، لانه لم يسالها فيما لو كانت ترغب بفنجان من القهوة. وعندما قدم لها فنجان القهوة الذي اعده لنفسه ، رفضته وهي غاضبة، قائلة: كلا لااريد قهوة . فما الذي كانت تريده ؟ ، ان الزوجة في هذه الحالة ، لاتريد القهوة ، وانما تريد الاهتمام.
ان مثل هذه الحاله تتكرر كثيرا” في الحوارات بين الازواج، فهنالك مالاتعبر عنه الكلمات بحد ذاتها ، وتسميه تانين الرسالة الماورائية ، وهو اسلوب من اساليب التعبير لدى المرأة ، يجعلها اكثر قدرة في قراءة مشاعر وشخصية الاخر ين.
ان هذا الاختلاف النوعي وليس الكمي في آليات التفكير والتعبير عند المرأة، والذي يعكس نفسه بنظرة مختلفة للحياة ولقضايا الانسان والمجتمع، بالرغم من وجود مؤشرات عديده عليه الا انه كان المسكوت عنه دائما ، بسبب هيمنة العقلية الابوية على مجالات الحياة . وحتى عندما كانت تضطر للافصاح عنه، فانها كانت تفسره لصالحها باعتباره دليلاً على تفوق الرجل، ولمزيد من الاقناع لنفسه انه على حق، .ولان هذه العقلية هي المهيمنة على قنوات الاتصال فان تفسيرها هو الذي ينتشر، لدرجة ان النساء انفسهن يقاومن فكرة القبول بهذا الاختلاف خوفاً من اعتباره دليلاً ضد فكرة المساواه.
ان هذا الاختلاف النوعي لم تثبته الدراسات في العلوم الطبيعية والعلوم الانسانية فحسب ، بل قدمت لنا تجارب عديدة للنساء في العالم شواهد حية عليه، من خلال نجاحات حققتها النساء في مجالات الادارة والاقتصاد من خلال تقديم نظرة مختلفة للقضايا الاجتماعية واشكال جديدة للعمل وفي القيادة .
واعرض هنا بايجاز لبعض هذه النماذج :
مؤشرات عملية على النظرة النسائية الجديدة :
– صياغة نظرة نسائية جديدة ومختلفة للقيادة الاقتصادية : تمثلت في تجارب لنجاحات لشركات قادتها نساء، وتوصلت الى جني الارباح بالملايين، من خلال اساليب ادارة الانتاج بالاهتمام بالانسان والعلاقات داخل العمل مما ضاعف الانتاج .
– اعادة الهيكلة للاقتصاد والسياسات الاجتماعية : وهي تجربة قامت بها مجموعة من الخبيرات بالتعاون مع منظمات نسائية شعبية، وكان هدفها وضع رؤية بديله وجديده لحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية ، بالاعتماد على تجارب لنساء من زيمبا بوي/ الهند / كوستاريكا ، باقامة مشاريع انتاجيه تعاونية صغير، وبناء مؤسسات اجتماعيه رديفه .
– تجربة بنوك النساء في الهند : وهي شركات مساهمة باسهم رخيصة تعطي قروض لانشاء مشاريع صغيرة .
– اساليب القيادة النسائية :وهي نتائج دراسة لتجارب نساء ورجال ناجحين في ادارة مؤسساتهم قام بها ” الملتقى الدولي للنساء ” و تدرس نتائج هذه الدراسة كمساق دراسي في جامعة هارفرد بعنوان : “اساليب النساء في القيادة ” Ways Women Lead وقد بينت هذه الدراسة :
* ان نمط القيادة الهرمي بالاوامر والتعليمات والضبط ، ليس هو الاسلوب الوحيد للنجاح، وهو اسلوب مرتبط غالباً بشخصية الرجل القائد او المدير، حيث وصف الرجال اسلوبهم
في القيادة ، بأنه هرمي Transactional، في حين وصفت النساء اسلوبها في القيادة بأنه Interactional وهو يعتمد على تشجيع العاملين على المشاركة في المعلومات واتخاذ القرارات ، مما يقوي شعورهم بقيمتهم الانسانية واهميتهم للعمل، وهذا يكون مفيد للعمال وللمؤسسة ويضفي على جو العمل شعور بالانتماء ومزيد من الطاقة الحيوية .
* كما بينت الدراسة ان الرجل يعتمد على قوة الموقع في التأثير على العاملين وعلى الحوافز المادية والعقاب ، ولكن النساء لانهن لم يعتدن موقع القيادة الرسمية فقد طورن اساليب مختلفة تحولت مع الايام الى ما يسمى التكتيك الاستراتيجي، والذي يجعلهن قادرات على وضع فلسفتهن الخاصة في تحفيز المجموعة والافراد فيها، ورغم ان الحوافز المادية اساسية في الادارة الا ان ما يريده الناس ايضا هو الشعور بالمشاركة والاهمية والانتماء .
_ لقد اثبتت تجارب الدول النامية والمتقدمة سواء منها الاشتراكية او الرأسمالية، وحتى تجارب حركات التحرر الوطني، بأن عمليات التغيير السياسية والاقتصادية وحتى التغييرات التي طالت القوانين والتشريعات، لم تؤثر كثيراً في احداث تغيير حقيقي وجذري في دور ومكانة المرأة، لان التغيير لم يطل المفاهيم والقيم الثقافية التي تحكم حركته الاجتماعية والاقتصاية والسياسية، والتي هي قيم ومفاهيم تقليدية ابوية وحيدة النظر .
ففي الدول الرأسماليه الغربية والدول الناميه الواقعة تحت تأثيرها . تم طرح قضية المراة كقضية جنس وبفصل حاد عن الجنس الآخر . وبعزلها عن قضايا المجتمع الاخرى ، وتم ربط تحرر المرأة بالتحرر الجنسي و بالعمل خارج المنزل . وفي الدول الاشتراكية والدول النامية وحركات التحرر المتأثرة بها، ورغم ان قضية المرأة لم تطرح منفصلة عن بقية قضايا المجتمع . ولكن تم ربطها ايضا بالتحرر الاقتصادي للمرأة ودخولها سوق العمل، واصبح هنالك فصل حاد بين المرأة ربة المنزل والمرأة الشعبية وبين المرأة العاملة المتعلمة، ولم تطل عمليات التغيير المفاهيم والقيم الثقافية والاجتماعية الخاصة المحيطة بالمرأة ، بل تم القفز عنها ، مما ادى الى دوران المجتمع في حلقة مفرغه حول اشكالية المرأة .
ولذلك لم يعد من الصحيح طرح قضية المرأة على انها قضية منفصلة عن الجنس الآخروعن قضايا المجتمع ،كما لم يعد مقبولا” معالجة اشكالية المرأة في المجتمع ضمن اطار من الاهتمامات والاحتياجات او الطموحات الفردية للمرأة او من خلال النظرة النسوية المنعزلة، لانها نظرة وحيدة الجانب ومفرطة في التسطيح والتبسيط . ولا بد من معالجة قضايا المرأة ودورها في المجتمع من منظور حضاري انساني شامل، يهدف لتصحيح ونهضة المجتمع ككل ، منظور تنموي شامل ومركب، وفي الوقت ذاته لا يغفل الخصوصية التي تتميز بها حالة النساء ، مما يتطلب إعادة النظر في انساق المفاهيم والقيم الثقافيه والاقتصادية والسياسية والقوانين والتشريعات السائدة في المجتمع ، وهذا لا يعني تجاهل المفاهيم التقليدية الايجابية في مخزون التراث الشعبي، لان المفهوم التنموي الصحيح لا يمكن ان يبدأ من فراغ ، وانما لا بد من ان يستند الى جذور واصول راسخة في البيئة الثقافية للمجتمع ليتم البناء عليها ، حتى لايقع المجتمع في حالة الاغتراب عن ذاته، كما هو الحال في امتنا العربية .
واننا اذ نشعر ان العقلية الابوية السائدة التي استلمت القيادة منذ آلاف السنين، على هذا النحو المهيمن والتملكي، قد بدأت تدرك ضخامة الازمات التي تواجهها، الا انها لا تزال غير قادرة وحدها على مواجهة نفسها والاعتراف بفشلها وعجزها، ولا حتى بعدم تمكنها من الاستمرار على هذا النحو وحدها لوقف الخراب الدائر، والشعور العام بالاحباط والاغتراب وفقدان المعنى .
ان الاهتمام الدولي المتزايد بقضايا المرأة في العقود الاخيرة هو بداية الادراك للازمة التي يعيشها العالم . ولكن العقلية الابوية السلطوية ومنظومة المفاهيم التي تسير وفقها، لا تزال لم تدخل السياق الصحيح بعد، فهي لا تزال رؤية حكومات رسمية فوقيه بمفاهيمها القديمة، وان اتاحت ضمن شروط محددة بقدر من الشفافية المضبوطة بإدماج رؤية المنظمات الاهلية، مما يجعل رؤية وممارسات هذه المنظمات قريبة من رؤية الحكومات، بل ان كثيرا من هذه المنظمات بدأ يحمل نفس التشوهات الموجودة في النظام الحكومي، ويتحول الى مراكز للوجاهة والتملكية الانانية، ويبتعد عن سمات مثل العطاء والتكافل الاجتماعي، الى اساليب جديدة في الهيمنة والاستغلال ، وقد اثبتت تجربة النساء العربيات في الاحزاب، ان تناول الاحزاب العربية والتنظيمات السياسية لقضايا المرأة والمجتمع لم يختلف كثيرا” عن تناول الحكومات الرسمية .
ولذلك فقد اصبح ادماج الرؤية النسائية في رسم السياسات ولقيادة للمجتمع ضرورة ملحة ،لكن ادماج هذه الرؤية ليست مهمة سهلة، فهي ليست مجرد مؤتمرات ونقاشات ، بين فئة من النساء المتعلمات والرجال المهتمين ، لان عليها ان تقدم رؤيا جديدة ومختلفة للقيادة والسياسة ، كمحصلة لمجمل الحراك الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للمجتمع ، صحيح ان السياسة هي العمل للمشاركة في الحكم والسلطة ، ولكن بدون احداث التغييرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لا يمكن ان تحدث التغييرات في البنية السياسيه هكذا ، قال افلاطون وهيجل وماكس فيبر وغيرهم كثيرون .
ولابد من العودة الى النساء في المناطق الشعبية والى ربات البيوت وسكان المناطق الريفية ، فمن بينها ومعها يمكن بلورة النظرة والممارسة النسائية الانسانية الصحيحة . كما ان التعاون مع بعض الرجال الموجودين في بعض مواقع التأثير على الرأي العام وفي مواقع القرار ودوائر النفوذ ، الذين يمتازون بأنهم قريبين اومتفهمين للرؤيا النسائية، يساهم في دعم هذه الرؤية ، وهؤلاء الرجال قلة موزعة بين الفنانين والمثقفين والاكاديمين ، وبعض الحزبيين المهمشين وربما بعض العاملين في دوائر الحكومة .
وهنالك ضروره لتشجيع اجراء الدراسات العلمية، حول المشاكل والظواهر التي تشكل مصدر قلق في المجتمع ، ولاعادة النظر في القوانين والتشريعات القديمة ، ولخلق جسور بين الباحثات والباحثين مع المنظمات الشعبية النسائية ، والتعاون مع خبيرات وخبراء في الاقتصاد والصحة وفي مجالات الثقافة الشعبية ، لان مخزون التراثي الثقافي الشعبي الايجابي هو ركيزه اساسيه في بناء النظرة الجديدة لتخفيف حالة الاحباط والاغتراب واعادة الشعور بالامن والانتماء للناس ومن اجل المساعدة في بلورة الرؤيا الجديدة وأحداث توازن فيها .
كما ان على الرؤية النسائية ان تعيد للثقافة مفهومها الصحيح ، كفعل سياسي بحد ذاته ، وليس من خلال اللجؤ للشعار السياسي بمفهومه القديم . ان التعبير الانساني الحر عن هموم الناس وحاجاتها وتطلعاتها بكافة ابعادها ، باشكال التعبير الادبية والفنية والتراثية المختلفة هي افعال سياسية ، فالثقافة هي السلطة الحقيقية في المجتمع .
لقد تعودنا ان نسمع من ادوات العقلية الابويه السائدة ، أن الجانب الوجداني والعاطفي هو نقطة ضعف المرأة ، لان المنطق والعقل هما القادران على القيادة واتخاذ القرار. وهذا برأي جانب مهم من جوهر المشكلة، أي محاولة اقصاء الوجدان والمشاعر والعواطف عن الفكر والعمل . ان توظيف المشاعر والعواطف مع العقل والمنطق ، هو الاسلوب الصحيح والصحي لمعالجة شؤون الحياه ، ان احد مشاكل برامج اعادة الهيكلة الاقتصاية والتصحيح الاقتصادي الحالية ، انها لا تنظر بانسانية وعطف الى حاجات الاطفال والفقراء والنساء، ولا تفكر فيهم اصلاً، مما يحول الازمات الاقتصادية الى كوارث انسانية .
ان مشاركة عدد قليل من النساء في مواقع القرار لن يكون كافياً لادماج الرؤيا النسائية، لان منظومة مفاهيم الرؤيا التقليديه مهيمنة حتى على النساء انفسهن، ولذلك نجد ان غالبية النساء اللواتي تمكن من الوصول الى مواقع القرار ودوائر الضؤ قد وقعن تحت تأهيرها لعدم قدرتهن على مقاومتها، اضافة الى ان آليات الهروب النفسي تفعل فعلها، او ما يسمى بفكرة التوحد بالمعتدى فمن خلال الشعور بالتفوق والنجاح المزيف تصبح الضحية مثل جلادها، فكثيرا” مايقاوم الانسان الوعي بالمعرفة، لان الوعي بها هو مسؤولية كبيرة.
لقد اخرجت السلطة الابوية المجتمع الانساني عن المسار الطبيعي للحياة ، وعلينا اعادته الى مسارها الطبيعي. ولا بد من الانتباه لحقيقة يجب ان لا تغيب عن بالنا، وهي ان خصوصية الرؤيا النسائية قد تكون نابعة من تأثير الدور التاريخي الذي قامت به المرأه ، وطبيعة التنشئة التي اخضعت لها على مدى مراحل زمنية طويله . ولكن هذه الرؤيا الخاصة والمختلفة حقيقه موجوده الآن ومن مصلحة المجتمع العمل على توظيفها ،و مع الانتباه لعدم الوقوع في الاحادية التي وقعت فيها القيادة الابويه .
ان التنوع والتعددية هما سمة الحياة ، فلماذا هذا الفصل والتخصص الذي يقدم صورة محنطة عن الحياة . وعلينا كنساء ان نثق بانفسنا وبرؤيتنا ، ونعيد للنساء الثقة بأنفسهن، لنتمكن من حمل المسؤولية ، انها لمسؤولية عظيمة .
لقد عانت النساء طويلا من النبذ والاهمال والشعور بالاهانة ، وعلينا ان ننتبه ان لا نترك هذه المشاعر الدفينة تجعلنا نقع في حبائل التفكير الانفعالي، والخطط والبرامج ذات النفس القصير، التي تريد تصفية حساباتها مع القيادة التقليدية وتطمح في الربح الذاتي السريع . كما عانى الرجال وان لم يعترفوا، من سجنهم في شخصية نمطيه لم تتح لكينونتهم الانسانية ان تعبر عن ذاتها بصدق ، فسقطت في فخ الانتهازية ، وتدعي الانتصار وهي مهزومة في داخلها .
ان المعركة الحقيقية ، هي اعادة بناء المجتمع السليم ، لنا جميعا” ، نساء” ورجالا” .
انطلاقاً من هذه الارضية النظرية تنتقل الى البحث في الآليات التي يمكن العمل من خلالها لزيادة وتطويرمشاركة النساء في دوائر التأثير ومواقع القرار .
وفيما يلي بعض الآليات المقترحة :
آلية حفظ حصة للنساء (كوتا) في مواقع صنع القرار
على الرغم من ان السياسة تعرف بأنها العمل من اجل المشاركة بالسلطة، الا ان بنية المجتمع وحركته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتفاعلة، هي التي تشكل القوى الدافعة للحركة السياسية . كما ان زيادة معدل الحراك الاجتماعي، تعني حدوث تغيرات في بنية المجتمع وفي الادوار التي يقوم بها الافراد والجماعات، من اجل تأمين احتياجاتهم وحماية مصالحهم .
ان المصلحة الانسانية والتي حددتها الاخلاق والشرائع الارضية والسماوية على مدى التاريخ البشري، والتي اصبحت تعرف في العصر الحديث بــ ” حقوق الانسان ” هي مركز التفاعل الانساني واساس الحراك الاجتماعي في جميع اشكاله .
من هنا ، فان السياسة تصبح هي فن ادارة الحراك الاجتماعي لتحقيق مصالح الأفراد والجماعات، مع الحفاظ على الكرامة الانسانية بتوفير الامن والحرية والعدالة لجميع المواطنين .
لقد ساهمت النساء على مدى التاريخ وفي عصرنا الحالي في الحراك الاجتماعي بكل اشكاله، ورغم ان المحسوب من جهود النساء في الاحصائيات الوطنية في البلاد العربية ، تتراوح معدلاته ما بين الــ 10 % – 25 % تبعا للمفاهيم والمعايير التقليدية السائدة ، الا ان الجهود غير المحسوبة في العمل المنزلي والمزارع العائلية وفي رعاية الاطفال والعلاقات الاجتماعية والعمل التطوعي تزيد عن الــ 50 % على ادنى تقدير .
فاذا كان للمرأة كل هذا الحراك في المجتمع، فاين ترجمته في مواقع صنع القرار ورسم السياسات في البلاد ؟ حيث لا تزال مشاركة المرأة فيها متدنية ورمزية ، وتتخذ شكل الصيغة التجميلية للنظام السياسي في البلاد العربية .
لقد اصبح من الواضح انه بدون مشاركة عادلة للمرأة في مواقع القرار ، لن تتمكن النساء من ادماج نظرتها في رسم السياسات ورصد الموازنات وتعديل المفاهيم، ولقد نصت الاستراتيجية التطلعية لعام 2000 على اهمية زيادة نسبة مشاركة المرأة في مواقع القرار في مؤتمر نيروبي عام 1985، ثم في وثيقة بكين الدولية عام 1995، والتي حثت الدول على تعديل القوانين والتشريعات لتطوير هذه الزيادة الى نسبة لا تقل عن 30 %، كما دعت الاتفاقية الدولية لالغاء كافة اشكال التمييز ضد المرأة ، الى اعتماد مبدأ التمييز الايجابي لصالح المرأة ، من اجل تعديل التمييز السلبي الواقع عليها من المجتمع تاريخيا . وعلى اعتبار ان التمييز الايجابي لصالح الفئات الاقل حظاً لا يعتبر تمييزاً مجحفاً بحق الفئات الاخرى بل على العكس انه يساعد على الوصول الى المساواه والعدالة .
ان مبدأ التمييز الايجابي من اجل زيادة وتطوير مشاركة المرأة وادماج رؤيتها في سياسات المجتمع يعتبر بمثابة احداث طفرة لتحقيق قفزة نوعية في تطور المجتمع .
اننا لا نستطيع ان ننتظر آلاف السنين لتعديل وتصحيح مسار المجتمع ولذلك فنحن بحاجة لاحداث قفزة نوعية باستخدام قاعدة الطفرة .
ان دخول عدد قليل من النساء تبعا لقاعدة التطور الطبيعي، لن تساعد في ادماج الرؤية النسائية لان النساء اللواتي تمكن من الوصول الى مواقع القرار ضمن المعادلة السائدة المألوفه ، غالباً مايتنازلن عن نظرتهن لصالح النظرة السائدة ، لكي يتمكن من النجاح والوصول الى مواقع القرار، وكثيراً ما يسقطن في النظرة الابوية . ويبدأ ن بالتباهي بتفوقهن بانهن اصبحن رجالاً اكثر من الرجال وان على النساء ان يتخذن منهن نموذجاً يحتذي به .
وتواجة فكرة الكوتا هجوما من النظرة السائدة والسطحية لمفاهيم السياسة والقيادة ولمفاهيم المساواه والديمقراطية ، وكان الكوتا نظام تعيين ولا تخضع للانتخابات الديمقراطية . ان ميزة الكوتا ان المرأة فيها لا تتنافس مع الرجال في ظروف غير عادلة وغير متوازنة حيث يملك الرجال كل عوامل النفوذ المالي والعشائري والسياسي الذي ليس لدى المرأة منها شيئا، فالمنافسة غير عادلة ، ولكن تنافس النساء على مقاعد مضمونة ستحفز النساء وفئات الشعب الاخرى على اختيار الافضل ، ضمن شروط متكافئة نسبيا” .
وتتستر بعض الاصوات المعارضة للكوتا ( علما” بان الاغلبية النسائية مع الكوتا ) ، خلف خشيتها من استغلال الجهات المتنفذه لمبدأ الكوتا لانجاح نساء غيرقديرات او مؤهلات للقيادة والعمل السياسي .ولكن الجهات المتنفذة قادرة على ذلك بدون مبدأ الكوتا ايضاً ، بدليل وجود بعض النساء في مواقع القرار حالياً وبدعم منها ، والحقيقة ان هذه الاصوات المعارضة للكوتا ، وخاصة النسائية منها ، تتستر على انانيتها، وخشيتها الحقيقية هي من فقدان نجوميتها .
ان ميزة الكوتا ، انها تفتح المجال لمشاركة واسعة من قبل النساء في الحركة النسائية ومن جميع الشرائح الاجتماعية وقد تشجع الاحزاب وربما العشائر على ترشيح نساء . مما سيفتح مجالاً واسعاً للحوار والتفاعل الاجتماعي واختيارالانسب من بينهن . صحيح ان اعتماد نظام الكوتا قد لايأتي بجميع المرشحات المؤهلات والجديرات، ولكن الكوتا ستسمح باختراق حصر التمثيل بالنخبة والقريبات من مراكز النفوذ اوالمرضي عنهن من مواقع القرار. اضافة الى انه سيتاح للشعب ان يراقب اداءً متنوعاً للنساء ، الامر الذي سوف ينضج التجربة الديمقراطية في اختيار النساء الافضل مستقبلاً . فعملية الديمقراطية ليست عملية سحرية تتم بين يوم وليله، انها عملية طويلة وبحاجة الى تدريب وممارسة حرة لكي تنضج وتتجذر.
علينا هنا ان نكون صريحين، ونسأل انفسنا هل نحن ديمقراطيون حقا”؟! ام ان الديمقراطية هي الديمقراطية التي تناسبنا ؟!!
لقد بينت تجارب النساء في المشاركة السياسة في الدول المختلفة النامية والمتقدمة . ان المرأة لم تتمكن من زيادة نسبة مشاركتها الا من خلال وضع نص واضح في الدستور لحفظ حصة للنساء في مواقع القرار المنتخبة ، كما يحدث في تايوان وبنغلادش والسويد . او بتعديل قانون الانتخابات، أو من خلال تبني الاحزاب لنسبة معينة من المرشحات بين مرشحيها ، كما فعل كل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي في المانيا والسويد، او بتبني سياسه محدده تتوجه لاستقطاب ودعم النساء من اجل ضمان فوز الحزب نفسه كما فعل حزب العمال البريطاني ، في الاعداد للانتخابات الاخيره 1997 .
وهنالك عدة اشكال من نظام الكوتا المطبقة : الكوتا المغلقة وهي التي لا يحق للنساء الترشيح خارجها، اما الكوتا المفتوحة فيمكن للمرشحات الاختيار بين ان يترشحن على نظام الكوتا المحددة للنساء، او خارجها . كما يوجد كوتا الحد الادنى وهي التي يمكن ان يزيد عدد النساء الفائزات في الانتخابات عن الكوتا المحددة ، اما كوتا الحد الاعلى فيلتزم بفوز العدد المحدد للكوتا من صاحبات اعلى الاصوات بين المرشحات ، وبالتالي تبقى الحصة ثابته ، وعلى ضوء تجارب النساء في الدول الاخرى ينصح بالمطالبة بكوتا الحد الادنى المفتوحه ، ويمكن ان تتراوح النسبة مابين 10% – 30%، تبعا” لظروف كل بلد من البلاد العرب
آلية مجموعات الضغط :
نظراً لهيمنة العقلية الابوية المتشددة لانظمة الحكم القائمة في غالبية الدول العربية، فان القوانين والتشريعات التي تنظم بنية وبرامج عمل منظمات المجتمع المدني فيها، لا تزال محكومه بمنظومة المفاهيم التقليدية للعمل العام والعمل السياسي، مما يؤدي الى وجود احزاب ومنظمات اهلية، تعمل وفق قوانين تحد من فعاليتها ، وتعيق تنفيذ برامج عمل حيوية تلبي الاحتياجات الحقيقية للفئات الاجتماعية المختلفة، بل ان عدداً لا يستهان به من المنظمات الاهلية تحمل الكثير من سمات الانظمة السياسية القائمة وتعمل ضمن المنظومة المفاهيمية التقليديه، مثل الهيكلية الهرمية ، التي تحصر المعلومات والقرارات بأيدي مجموعه صغيره، وفي كثير من الاحيان تكون بيد شخص واحد ( امرأة او رجل ) .
ولان العمل العام والسياسي ليس محصوراً بالمؤسسات الرسمية او الاهلية ، ومن اجل تفعيل حركة العمل العام بأشكاله المختلفة لتلبية احتياجات الفئات الاجتماعية وتحقيق مصالحها ومطالبها ، فلا بد ممن المبادرة لتجاوز هذه الحلقة شبه المغلقة التي تدور فيها، والانطلاق نحو اشكال جديده من العمل، مثل : مجموعات الضغط .
ما هي مجموعة الضغط ؟
هي مجموعه من الافراد او المنظمات تجمع بينها مصالح مشتركه، تتبلور على شكل مطالب محدده لحل مشكله او قضيه او تلبيه حاجة لفئه اجتماعيه، مثل : ايصال خدمات معينه لمنطقة، تعديل في احد القوانين لمصلحة فئه معينه ، مثل : تعديل المادة التي تنص على العذر المخفف في جرائم الشرف في قانون العقوبات ، او المطالبة باعتماد نظام الكوتا للنساء في مواقع القرار… الخ، وتكون مجموعة الضغط عادة مؤقته ولا تحتاج لتسجيل،لانها تعمل لحين انجاز الهدف الذي قامت لاجله فقط.
الهدف من تكوين المجموعه الضاغطة :
انجاز المهمة او الطلب او الحاجه التي قامت من اجلها مثل، وقف العمل في مشروع يضر بمنطقة اثريه، او وقف صدور قرار ضريبه معينه، او تعديل بند معين في قانون المستأجرين والمالكين او قانون الاحوال الشخصية، او تخفيض اسعار مواد اساسيه … الخ .
كيفية تكوين مجموعة الضغط :
تتكون المجموعه عادة من الافراد والمنظمات المعنية بالقضية محور النشاط، وكثيراً ما تبدأ المبادرة من شخصيه او اكثر مهتمه بهذه القضية محور النشاط ، تقوم بالاتصال مع شخصيات مستقله اخرى معروفه باهتمامها وبعض المنظمات الاهلية ذات العلاقة بالقضية لتوسيع قاعدة التحرك وتكوين نواه عمل، ثم تقوم هذه المجموعة بوضع خطة وقواعد لعملها.
كيفية عمل المجموعة :
* تحديد للقضيه والهدف ووضع شعار لها .
* وضع مبادئ للعمل او لائحه داخلية لها تنظم عملها .
* تحديد الوسائل التي ستقوم بإتباعها .
* وضع قائمة بشخصيات ذات نفوذ وتأثير في المجتمع يمكن ان تدعم المجموعة وتساندها في ايصال القضية للفئات المختلفة .
* جمع معلومات وأحصاءات وحاجات تساعد المجموعه في عرض القضية لاقناع المسؤولين واصحاب القرار وحشد الرأي العام حولها .
* الاتصال بشخصيات ذات خبره واختصاص في القضية محور عمل المجموعه للاستعانه برأيها .
* وضع برنامج عمل لها يحدد :
– الجهات المستهدفه للضغط عليها مثل اصحاب مواقع القرار في البلاد .
– جهات وهيئات يمكن ان تتعاون لتنظيم لقاءات شعبيه لمجموعة الضغط .
– جهات مموله لتقديم الدعم المادي لبرامجها اذا كانت المجموعة ستحتاج لنشر مطبوعات اعلانات، او اعداد برامج اعلاميه .. الخ .
– توزيع مهام العمل فيما بين اعضاءها .
وقد تلجأ مجموعات الضغط الى اساليب الاحتجاج السلبي مثل الاعتصامات والمظاهرات، وتوزيع الملصقات وما الى ذلك .
ان ميزة المجموعات الضاغطه انها تعمل على هدف واحد محدد، تلتقي عليه جهات وهيئات وشخصيات مستقله غير محصوره بفئه محدده من الناس، ويكون مجال الانضمام اليها مفتوحا”لكل من يهتم بالقضيه محور اهتمام المجموعة ، بغض النظر عن الخلفيه السياسيه او الثقافيه او الاجتماعيه للافراد او للهيئات ، وتستطيع مجموعه ضغط العمل على تعديل بند في قانون الاحوال الشخصية ، مثل رفع سن الزواج، او تعديل قانون التأمين الصحي للمرأه العامله بسبب امكانية حشد قاعده واسعه وعريضه، وكلما كانت القضيه التي تلتقي عليها المجموعه تشكل اولويه لفئات اجتماعيه واسعه كلما كانت فرصتها في النجاح اكبر .
آلية حزب النساء : ( فكرة اولية )
بعد ان اثبتت تجارب الاحزاب في البلاد العربية ، انها غير قادره على استقطاب النساء وادماج رؤيتهن داخل منظوماتها الفكرية شبه الجامده ، والتي تحكمها العقلية الابويه التقليديه ، سواء في فكر او بنيه او برامج الاحزاب القائمه، فهي لا تزال احزاب يحكمها المفهوم التقليدي للحزب الذي يبني على عقيده او نظريه ثابته ويخضع لهيكليه تنظيميه تراتبيه هرميه مغلقه، ولها قواعد ثابته ومحدده للانتقال من مرحله الى مرحله .
والبنيه الهرميه في الحزب تشبه بنية المؤسسات الحكوميه الرسميه، اذا ما استثنينا قاعدة المركزيه الديمقراطيه التي تحولت مع الوقت الى ما يشبه الاكذوبه ، اذ تبين من تجربة الاحزاب ان الحزب يرتكب حماقات كبيره ايضاً لان الزعيم يصبح صاحب القرار الاول و الاخير، بل اسوأ من ذلك ان الاحزاب العربية في غالبها ، تحولت الى عشائر جديده منظمه مفرغه من المضامين الانسانية التي تتميز بها العشائر عاده ، كالمسانده الانسانية والتكافل الاجتماعي .
ان حقيقة ان تراث وتقاليد المجتمع العربي لا تزال تفصل بين النساء والرجال ، وتشجع فكره عمل النساء مع بعضهن البعض، وتبدو متشككه وحذره حيال الاعمال التي يختلط فيها الرجال بالنساء بشكل غير منضبط بقواعد وظيفيه رسميه محدده .
بالاضافة الى ان النساء مازلن اقليه او ندره في الاحزاب العربيه ، وقضايا المرأة بل والفئات الشعبية على آخر سلم اولويات هذه الاحزاب مهما بلغت من اليساريه والراديكالية ، واصبح جل همها اللهاث خلف اثبات مواقفها السياسيه ورفع الشعارات واصدار البيانات والقاء الخطب الرنانة.
ان امكانية تحقيق التواصل لبلورة مفاهيم الرؤية النسائية بين نساء الفئات الشعبيه ممكنه اكثر، حيث الموطن الاصل لمفاهيم وافكار وممارسات هذه الرؤيه ، ولا بد ان تنبثق النواه الاولى لهذا الحزب او الحركة النسائيه من بينها ومعها، وقد قمت على سبيل التجربة بعرض فكرة حزب النساء علىمجموعة من النساء المثقفات ، فأبدين نفوراً من الفكره وتخوفن منها، في حين ان الفكره لاقت قبولا وارتياحاً اكثر لدى نساء الفئات الشعبيه .
نعم حزب للنساء، ولم لا ؟!
ان حزب النساء يسعى للاعتراف بالقوة الطبيعية العامه للنساء ( القوة الخفية ) ، وبالاختلاف النوعي، الفكري والعملي لسياسة النساء ، ولذلك فان الحزب سوف يعمل على مشاركة واسعه للنساء، بدون رفض مشاركة الرجال الراغبين والمؤمنين بضرورة ادماج الرؤيا النسائيه ، لاعادة التوازن لسياسات البلاد الاقتصاديه والسياسيه والثقافية ، ولتكون اكثر مرونه وشفافيه تواجه حالات البطالة والفقر المتفاقمه وحالة الاحباط العام والاغتراب .
حزب يخرج عن المفاهيم التقليديه المغلقه لبناء الاحزاب، لا ينحصر همه في السياسه بمفهومها الضيق والسائد وانما بالمفهوم الشامل الذي يعتبر السياسه محصله الحراك الاجتماعي في كافة اشكاله .
وحزب النساء بالضرورة حزب منفتح وتعددي الاتجاهات السياسيه والآراء والافكار تتحاور بديمقراطيه داخل الحزب .
ومطلوب من الحزب ان يعمل بشكل نقدي ومرن يستفيد من خبرات الاحزاب السابقه وعلاقتها بالمجتمع، ويعتمد اساليب النساء في القياده التعاونية، وفي بناء العلاقات داخل مجموعات الحزب ، وسيتجنب البنية الهرميه ويحاول قدر الامكان تجنب المركزيه في المعلومات والقرارات .
وعلى هذا الحزب ان ينسج برامجه العمليه من حاجات وهموم الفئات الشعبيه بالاساس، ويبلور
نظريته وبرنامجه السياسي معها ، ويعتمد مخزون التراث الشعبي الايجابي رصيده في ابتكار الوسائل والآليات لتنفيذ برامجه وتحقيق اهدافه ليس من اجل النساء فقط وانما من اجل جميع فئات الشعب .
كما سيعمل هذا الحزب على اطلاق الطاقات والمواهب التعبيريه الابداعيه لدى النساء والفئات الشعبيه ، ويعطي اهتماماً خاصا للحاجات الخاصه عند الاطفال والشباب وكبار السن، ويوظف امكاناتهم مهما كانت متواضعة لدعم الجهد العام في المجتمع .