كيف ولماذا تواتيني الكتابة؟ ليس من السهل أن أجزم بإجابة شافية، فقد كانت علاقتي بالكتابة إشكالية دائمة. هل اخترتها وسيلة للتعبير عما يعتمل في نفسي من ضروب الحياة؟ أم أنها تداهمني مداهمة؟
تشتبك نواميس الحياة في عقلي وتختلط، أو تمور النفس وتفيض بآلامها فتأتي مثل نفس عميق، كأني أستجمع ماتبقى لدي من قوة للبقاء حية. تأتي على شكل قصيدة أو نص سردي، قصصي أو مفتوح، وعندما تلح فكرة أو قضية، تثقل على روحي، فأجد نفسي مسوقة لتناولها. وأصعب الكتابة عندي ما يأتي بقرار، كأن يطلب مني مقال أو تقرير أو ما شابه، فأظل أراوح أنتظر تلك الحالة المعينة. لا أشعر أني أخترت الكتابة طوعا”، بل ألأرجح أنني تهربت منها، لكسل في طبعي، أو لانجرافي في مجرى الحياة، اذ بدت الكتابة لي، إطلالة على الحياة لا أملك ترفها.
محطات على الطريق:
في طفولتي المبكرة، قالت أمي: لن تكون ابنتي أمية مثلي، فكانت أول من دلني على طريق الحرف. وما أن فككت الحرف حتى أخذت أقرأ وأقرأ، أقرأ كل ما تقع عليه عيناي من كتابة..
لم أكن بلغت السادسة بعد، عندما قال جدي: اقرأي لي يابنيتي، فقرأت وقرأت. قرأت له روايات الزير سالم وأبو زيد الهلالي والملك التبع اليماني وسيف بن ذي يزن.. وغيرها من الروايات العتيقة. فكانت مدرستي قبل المدرسة.. لكن أبي كان أول الكتابة، حين أمسك بيدي في أول كتابة لي، بعدها، عينتني المعلمة خطيبة المناسبات الوطنية في المدرسة.
وفي يوم كنت أطير إلى البيت فرحة بشهادتي المتفوقة، قالت جدتي: ليت الله خلقك ولدا”. جمدت عبارتها فرحتي، ولما سألتها: لماذا يا جدتي؟ ألا يجوز أن تكون البنت شاطرة؟ ردت: وماذا تفعل البنت بشطارتها؟ قالت الجدة: هل تعلقين شهادتك في المطبخ؟ رنة الإشفاق كانت جلية في صوتها.
ربما كانت هذه اللحظة، أول لحظة في انبثاق وعيي على الاختلاف، وقد تكون أول ما وضعني على طريق المعارضة.
هل كان انفجار الوعي عندي على الحدود المرسومة لحياتي كأنثى أساس الكتابة؟ لا أستطيع أن أجزم، فقد أخترت التخصص العلمي لدراستي في المرحلة الثانوية، ولم أستمع لنصيحة معلمة اللغة العربية عندما قالت لي: مكانك في الفرع الأدبي، فأنت مشروع أديبة. ركبت رأسي، ولم أفعل بنصيحتها، كنت مزهوة بتفوقي، أكتب مواضيع الإنشاء المتميزة، خطيبة المدرسة المفوهة، ألمعدة والمخرجة للتمثيليات التي ترفع شأن مدرستي بين المدارس الأخرى. قلت في نفسي: إذا كان لدي شيء سيأتي لوحده، لن أتورط في حفظ المواضيع ألأدبية.
لكن نهمي للمعرفة والمطالعة في كل صنوف الأدب والفكر لم يتوقف، وربما لولا وقوع هزيمة حزيران، لقادني ذلك بالطبيعة للكتابة. اهتزت نواميس الحياة عندي، وطفقت أذرع الشوارع أبكي على غير هدى، كأنني تلقيت إهانة شخصية. كانت هزيمة حزيران هي الانفجار الثاني في وعيي. أحدثت في حياتي انقلابا” جذريا”، اتجهت بعدها نحو قراءة أخرى، قراءة من نوع مختلف، أخذت أبحث عن الفدائيين. كان هذا هو الاسم المعروف آنذاك للمقاومة الفلسطينية. إذ قلت في نفسي، ما معنى أن أقرأ وأتعلم وأراكم المعرفة النظرية، وأنا مهددة في كل لحظة، من عدو غاشم لا أفعل حياله شيئاً. عدو قابع فوق روحي، يمنعها من التحليق في حياة كريمة، بل قد يمنعها من الحياة أصلا”. في تلك الفترة، فقد الكلام عندي معناه، بدا لي كأنه وسيلة لاخفاء المعاني أكثر من تبيانها.
في مسيرة الثورة، كنت أقول: ها نحن نكتب في الأرض بين الناس، نصنع تاريخا” جديدا” لامتنا، هانحن نعيد ترتيب الحياة لنا ولأطفالنا من بعدنا، وبالفعل، جذر اللغة، نكتب النظرية المتحولة. كانت الثورة الكتابة الوحيدة الممكنة والشافية، التي تعيد لروحي اتزانها ولعقلي اتساقه. كنا نعمل بين الناس، نفكر معا” ونعمل معا”. ننظم اللجان الشعبية، نحرس المواقع، نقود المظاهرات، ننظف الشوارع، نوزع الطعام، نسعف الجرحى، ندرب النساء ونعلم الأطفال، نذهب أو نلتقي بالوفود، نصنع ونعرض الأفلام في القواعد والمخيمات، نؤسس ذاكرة مرئية لأمتنا ونمتد على أطراف الدنيا. نقرأ ونكتب معا” في كتاب الثورة نبحث عن لغتنا الحق، ونغني لفلسطين، ففيها التقت كل هموم الإنسانية.
سرت في طريق الثورة كالمسحورة، أو كمن بها مس، أعمل كالمجنونة، وبدأت تنفجر في نفسي المشاعر والأفكار، وتداهمني الكلمات على شكل قصائد قصيرة، أو نصوص سردية قصصية أو مفتوحة ليست لها هوية أدبية. كنت كمن تركض في حلم، لتصحو على كوابيس متتالية.
إشكالية الكتابة:
هل أخترت الكتابة حقا”؟ أم أنها كانت جزءا” من تكويني عاندته طويلا”، ويظل يداهمني بالضرورة. هل كان الهم الأنثوي الخاص محركا” لها؟، أم أنه الهم العام؟ لست أدري. فقد تبلور همي الخاص كأنثى واتخذ شكله ومعناه، عندما تكشف لي كتفصيل في هم إنساني شامل. وحتى عندما انفجر وعيي على الهم العام، كان شعوري به خاص جدا”، وربما هما الاثنان معا”. لكن الواضح لي، أنني لم أتخذ قرارا” يوما” أن أكون كاتبة. وحتى عندما تواتيني الكتابة لم أقلق يوما” على نشر ما أكتب، وما نشر لي، نشر بالضرورة أيضا”. ربما، لأنني لم آخذ الكتابة بجدية، أو لأني لا أريد أن أحشر نفسي في صفة كاتبة، فوسائل التعبير عندي لم تنحصر في الكتابة. وحتى عندما وجدت نفسي أضع سيناريو لفيلم حول قضية أثارت قلقي، ثم أقوم بإخراجه، لم يكن هدفي أن أكون مخرجة سينمائية. أي طبيعة إشكالية أحمل؟ كأني أتهرب من أن أحشر نفسي بلقب معين، أو كأنني لا أكتفي بما أعمل. أيضا” في مقارباتي الكتابية لقضايا المرأة، حيث القضية ألأم المسكوت عنها، فقد وجدت فيها جذر الحياة التي لا تنمو ولا تثمر الشجرة بدونه.
كأن هموم الإنسان في بلادي اختطفت روحي إلى اللا مستقر، كأن خلاصي صار خلاصه، وفي انعتا قه انعتا قي.
لعلي تورطت في الكتابة، وقد تصير ملاذي الأخير، في زمن أحكمت فيه أبواب الحياة وسدت منافذها. فلا تستطيع الروح أن تحلق بالمختلف فيها. والمرأة في التي جبلت منذ نعومة أظفارها، لترعى جذوة الحياة حولها، لا يبقى لها من زمنها إلا فتافيت وقت، لا تتسع لفتح تشوارة § (كوارة) الروح، فتطلق دبابير الوجع فيها. وحتى لو حاولت، فهل البوح بكل ما تعج به النفس متاح وممكن؟ بعد أن صار جل الكلام تورية أو تعمية، ثرثرة أو ممالقة، طوفانا” من الكذب يجتاح المدى، فيجرف في طريقه بذور الحقيقة. ولسان الحال يقول: كلما حاولت أن أقول شيئا” تكسر الكلام في فمي، وتساقط شيء آخر.
تظل رحى الكلام تدور، وتختلط نواميس الحياة أبيضها بأسودها، ويظل خير الكلام ياحكمت· ما لم يقل بعد.
هذه هي كتابتي، وهذا هو همي، ومصدر راحتي ورضاي.
§ كوارة وتلفظ تشوارة بلهجة أهل الكرك، وتعني الخابية في لهجة قرى فلسطين وهي مكان تخزن فيه الحبوب.
· المقصود هو الكاتب التركي ” ناظم حكمت “، صاحب مقولة ” خير الكلام ما لم يقل بعد “.