نسيج الروح…

كلما مر طاري[1] الكرك رفرفت أوتار روحي، حتى أكاد أسمع صوت رفيفها. فهي مسقط رأسي وإن نشأت وتربيت في عمان. ولكن هل لمسقط الرأس كل هذا الأثر؟ أم أن في الأمر ما هو أبعد؟ 

قضيت سنوات طفولتي المبكرة متنقلة بين والدي في عمان ودار جدودي في الكرك، وحتى عندما التحقت بالمدرسة، كانت الكرك قبلتي منذ  الأيام الأولى في العطلة الصيفية رغم مشقة السفر إليها تلك الأيام، عبر طريق الموجب في الباصات القديمة، حيث يرتعد قلبي خوفاً وأنا أرى عمق الوديان، فأقاوم الخوف في ترديد ما أعرف من السور القصيرة عملاً بنصيحة جدتي رحمها الله.

 تنقلت وعشت في كثير من المدن والبلاد إلا أن للكرك مكانتها الخاصة في نفسي، و أعزو لأوقات طفولتي فيها أجمل وأحب ما في نفسي إلي.

الكرك عندي كانت المرح الجميل، واللهو الحر بعيداً عن محاولات أمي في تنظيمي على أسس  مدينية أسوة بأبناء وبنات جيراننا من الشوام والأرمن والشركس في حي المهاجرين.

الكرك كانت حريتي رغم تحذيرات جدتي أن لا نلعب مع العيال، نرفح على ظهر الخان في حارة الحباشنة، ونتقافز من حيط لحيط[2]، نلعب الحجلة واللقيطة[3] ونعيد تمثيل حياتنا مع الأهل باللعب المصنوعة من الشرائط القديمة، تصنعها لنا الجدات والعمات. 

 والكرك هي الصحو على صوت المهباش يعلن عن مكان التعليلة تلك الليلة، والتعليلة لمن لا يعرفها سهرة يجتمع فيها رجالات ونساء الحمولة وأحياناً يدعى إليها أو يؤمها بعض المعارف والأصدقاء، يتبادلون فيها الأخبار والآراء حول المشاكل التي تطرأ وتعرض للبعض منهم، ويتسامرون برواية القصص القديم وحكايات الكركية، وغالباً ما يكون من بينهم من يروي القصائد أو يعزف على الربابة. ونحن الصغار من أبناء العمومة والخؤولة نلتحق بتعليلة الكبار بعد ان نستنفذ طاقتنا في اللعب وتعتم الأزقة. 

من الحكايات التي لا تنسى أحاديثهم عن أيام الهية[4] ، وكان بعض من عايشها لا يزال حياً. حكاية اجتماع الرجال وحيرتهم في اتخاذ القرار أمام جبروت السلطان العثماني، ودور الكركيات النشميات في اتخاذ القرار. كما لا أنسى تلك الحكاية القديمة التي تلهب الخيال ، حكاية جلحد الذي وهرف[5] كتيبة من الجنود وهو يدلهم على طريق للخروج من المدينة فيأخذهم إلى أحد السراديب في القلعة ويقفز أمامهم من كوة من علو شاهق إلى وادٍ سحيق فيقضي عليهم وينجو هو لانتفاخ ثوبه من الهواء مما يبطيء من حدة سقوطه. حكايات كثيرة بعضها يدعو للإفتخار وبعضها حكايات ساخرة وطريفة، من أيام الحصيدة وأيام الثلجة الكبيرة أو عن هوشة الحمولة مع حمولة أخرى حول مواعيد سقي الكروم، أو تجاوز حمولة لحدود أرض حمولة أخرى وغيرها من الحكايات.

الكرك معجم مفرداتي العربية القديمة والخاصة بالكركية، أهلتني لأكون الأكثر قدرة في تفسير المعلقات والأدب القديم ( الجاهلي ) في المدرسة، كانت الكرك دائماً معي طوال طفولتي وصباي، حيث دار الكركي في عمان امتداد للكرك، فهي المقام لكل أبناء الحمولة عندما يأتون لعمان في طلب وظيفة في الحكومة أو لمراجعة حكيم، أو لتجهيز عروس، فيأتي معهم كل ما فاتنا من حكايات الكرك.

الكرك عندي ذلك الفضاء السمح والمفتوح، لا تميز فيه بين مسيحي ومسلم إلا إذا رأيتهم في أوقات الصلاة في الجامع أو في الكنيسة، أو في أوقات الأعياد ، حتى تجد عشيرة مسلمة تقوم بدعم وحماية مرشح مسيحي من تهديد عشيرة أخرى تطالبه بالانسحاب، وتؤمن له الحماية حتى يفوز بالانتخابات. ومن ذكرياتي الجميلة في الكرك أيام صباي سهرات طرب وسماع عزف على العود في دار الصناع، الملاصقة لدار جدودي.

الكرك كانت تميزي  في ملابسي المدنية مثل التصاوير[6] كما يقول جدي في وصفها، وحتى عندما أحاول تقليد بنات الحمولة في ملابسهن، يرفض أخوالي وجدي لأنهم يرون جمالاً في هذا الاختلاف.

وفوق هذا وذاك، تظل الكرك عندي، أول الهواء وأول الأصوات، أول الألوان والروائح وأول اللمسات، هي النسيج الأول في تكوين روحي، ولها مني كل الحب والعرفان.


[1]  طاري مفردة كركية تعني ذكر أو الحديث عن.

[2]  الحيط : تعبير كركي يعني السطح من البيت.

[3]  الحجلة واللقيطة  الأسماء الريفية لبعض العاب الأطفال في الخمسينات.

[4]  الهية اختصار يتداوله الكركية للتعبير عن ماعرف بهية الكرك  عام 1910  عندما قرر الكركية رفض  تنفيذ أوامر السلطان العثماني.

[5]  وهرف  مفردة تستخدم في الكرك بمعنى أدى به إلى التهلكة أي قضى عليه.

[6]  التصاوير تعبيرباللهجة الكركية  مقصود به الصور 

أضف تعليق