وعي الذات، وعي الكينونة، قصتي مع الفكر النسوي

إنها لقصة طويلة… كيف يتم نسيج الفكر عند الإنسان ويتبلور، لينبثق منه موقفه من الحياة وفيها؟ ليس من السهل تحديد متى وكيف تتكون الفكرة في عقل الإنسان، وكيف ومتى يتبلور الوعي بها. كأني بها حصيلة تراكم طويل من أحاسيس ومشاعر ومعارف وخبرات وأسئلة، تظل تتراوح في النفس قبل أن تتبلور في العقل وعي لغوي قابل للتعبير. كأني بها خلاصة الحياة ونسيجها. 

عرف المجتمع البشري في مسيرة تطوره أنواعاً مختلفة من الفكر واتجاهات ومشارب متعددة، فمن الفكر الصوري إلى الفكر الرمزي، ومن الفكر العياني إلى الفكر التجريدي، وهنالك الفكر السحري والغيبي و الفكر المادي والفكر العلمي والفكر المثالي والفكر الوجودي، وهنالك الفكر الإسلامي والفكر المسيحي، والفكر الغربي والفكر الشرقي، وفكر القرون الوسطى والفكر الحديث والمعاصر.. الخ. وكل نوع واتجاه من الفكر تحدده شروط الزمان والمكان وحركة الحياة فيها. ويظل يلفها صراع دائم يغذيها ويبقيها. 

 جل هذا الفكر كان نتاج الرجل، فقد أقصيت النساء لعهود طويلة عن صنوف الحياة والمعرفة، وحددت لها حركتها والدور المناط بها، إنجاب الأطفال وإمتاع الرجال ورعاية شؤون البيت والأسرة. هذا لا يعني أنه لم يكن لها تأثيرها، إلا أنه كان تأثيراً خفياً ومحكوماً بحدود الحركة المتاحة، وبما يقرره ولي الأمر سيدها. والسؤال الذي يتبادر، ترى هل كانت هذه الأنواع والاتجاهات من الفكر ستكون كما هي، لو كان للنساء نصيب فيها؟  سؤال من الصعب الإجابة عليه حالياً. 

وقد ظلت على مر العصور، علامات نسائية تظهر بين الفينة والأخرى، فللطبيعة قوانين لا تتوقف حركتها، كما لا يمكن حجب ضوء الشمس ولا إيقاف الهواء ولا الأرض عن دورانها. فلماذا لا يكون للنساء نظرتها وفكرها ؟ والحياة تواصل دورانها والمعرفة اتساعها، والنساء تشق الطريق نحو آفاقها.

نكون أجنة في بطون أمهاتنا، نستقبل ذبذبات الصوت والحركة المحيطة بنا، تلتقطها خلايا أجسامنا الحية لتتفاعل معها كل بخصوصيتها، وعندما نأتي للدنيا تزداد وتتكاثر الإشارات والرسائل عبر عتبات الحس البينة منها والخفية. تظل تتراكم وتتفاعل عبر محطات الحياة، تشيلها وتحطها، ترتفع أو تهبط بها، تدور حول نفسها، تتقدم وتتأخر، أو تتوقف، حتى تأتي أو لا تأتي الفكرة. 

روت فيما روت لي عمتي نعمة: أن جاء طلق المخاض أمي في ولادتي والأخ الشاب يلفظ أنفاسه الأخيرة، والأمل الوحيد الذي قد يمنح بعض العزاء للأسرة، أن يولد طفل ذكر يحمل إسمه، فجئت أنا في تلك اللحظة المرة. روح شابة تغادر وروح غضة تولد، في بحر من العويل والسواد، أم أسيانة فقدت طفلين ذكرين قبلي، فيا لهول الفاجعة. ترى كيف حضنتني أمي وكيف أرضعتني ؟ وكيف استقبلت خلايا جسدي وحواسي تلك الفاجعة؟ لا شك أن المشاعر قد تمزقت بين حضوري وفقدهم، الله وحده يعلم كيف تمت الأشياء، ولكن المؤكد أن البكاء كان مضاعفاً لمجيء الأنثى. مما أذكره فيما بعد، من طفولتي المبكرة، أنني كنت الطفلة المحبوبة لكل أفراد الأسرة الممتدة، وأولهم تلك العمة. كأن المأساة حصنتني بالقوة وسلحتني بالفطنة فجعلت مني كائناً مدهشاً مكافحاً، دفاعاً عن وجوده، وما زلت أكافح حتى اللحظة، فيا لها من صدفة.

محطتي الثانية كانت، عندما قالت أمي: لن تكون ابنتي أمية مثلي، وأخذت على عاتقها أن تعلمني حروف الأبجدية، وما أن فككت الحرف، حتى أخذت أقرأ وأقرأ مثل نملة، كل ما تقع عليه عيناي وتأتيني به من كتابة. وخاضت صراعاً مع جدتي لدخولي المدرسة، إذ رأت فيه جدتي مؤامرة لحرمانها من أول حفيدة  قعوة[1] لها. وعندما فاجأها تفوقي المدرسي أشفقت علي وعلى أبي، لأن الله لم يخلقني ولداً. وأعترف، أنني حاولت في طفولتي أن أكون ولداً، إلا أن الطبيعة المختلفة في انتصرت، وكانت الأقوى، ومعها تنمو بذرة المقاومة لكل ما يلغي كينونتي المختلفة.

هدية الحياة لي، كانت أبي، لم يفرض علي طوقاً ولا ابن عم يتقدم، ومنحني ثقته. أختار طريقي، أعجن حياتي بيدي، أتعلم أحب وأكره، أقبل وأرفض كل ما ترفضه طبيعتي ويمس هويتي،أقرأ وأقرأ وأقرأ، ومما أدهشني من قراءاتي في تلك الفترة، أن قرأت كتاباً بمحض الصدفة لكاتبة فرنسية[2]، كان كأنه يتحدث عني أنا. تابعت، أصنع مصيري، أقاوم وأتحمل، ولا زلت أقاوم وأتحمل. 

هكذا كانت البداية، وأكمل ما صادفت من حكايات النساء والرجال وخيبات الحياة نسيجها.

حكايات ومخاوف أمي وجدتي، حكايات النساء في بلدتي. جميلة الصبية الحلوة النصرانية، تحرق نفسها إذ كشف الأهل حبها لشاب مسلم. بنات عماتي يردن لجلب الماء، ينظفن المكان ويعجن ويرعين الصغار، ويبتلعن الوعيد بالقتل لو شذت البنية. عماتي وكل نساء القرية، يحلبن ويصنعن الجبن، يخبزن ويطبخن وينسجن. يبكين موتاهن ويسامحن الأزواج والإخوة. وعندما يأتي وقت الحصاد، ينفلن للحقل صغارا وكباراً معهم. آخر اليوم تغفو الواحدة منهن وهي لا تزال تعمل، تعد العشاء والشاي للسهار، تحاول تصغي للسواليف وصوت الربابة أعلى وأعلى. ونحن نلعب ونعبث من حولهم أبناء العمومة وكل أطفال القرية.

في طريق الحياة التقيت ربيحة، إمرأة أمية تندفع للنضال الوطني، ويحملها الحماس لتفجير طاقتها، تفك أميتها في بضعة أشهر، تفاجئنا جميعاً بقراءتها الطليقة، ونبع من الأفكار يتدفق. وتلك أم ناصر، تحولت بقدرة قادر من ربة بيت، إلى قائدة شعبيةً، لا يمنعها خوف من مخاطر القصف والحصار أن تؤمن احتياجات الناس في منطقتها، تحرس وتطبخ وتسعف، تذهل كل من حولها، فجاءتها المكافأة من الزوج الغيور طلاقها وحرمانها من رؤية أولادها. أم علي لا تترك بيتاً في الحي لا تتفقد حاجاته، تعلمهم بصبرها على فقد شهيدين من أبنائها، كيف لا يسمع الجميع كلامها؟ وهذه الحاجة عليا تفاجئنا باختراع حضانة في بيتها ترعى أطفال جاراتها ليذهبن للعمل. ومديرة المشغل غيرت إنتاج المشغل ليغطي حاجة سكان المخيم بسعر ممكن. غيض من فيض صادفته في مسيرتي مع النساء.

تتراكم التجارب النسائية والكتابات والدراسات والبحوث العلمية، لتكشف عن قدرات وطاقات حرمت منها المجتمعات لقرون طويلة. تكشف عن أساليب في التفكير والتعبير ظلت تفرز المشاكل، والحري بها أن تكون مصدراً للحلول. طورت النساء من مواقعها طريقتها الخاصة في الإدارة الأفقية التفاعلية، والقيادة غير المباشرة [3]، وفي الاقتصاد والاعتماد على الذات وفي حل المشاكل الطارئة، ونذكر الدور العظيم الرائد لنساء الانتفاضة الفلسطينية الأولى. المرأة العاملة، الأكثر ميلاً للتشاور والتعاون، والأقل ميلاً للفساد والرشوة [4]. ربة البيت، المرأة العملية المدبرة[5]، الأكثر إحاطة بالتفاصيل الحياتية، سند الزوج والأم الحنون المربية، الأكثر تدريباً واقتراباً من الإنسان في كل مراحل عمره. يغض الطرف عن ذكرها، لا مال ولا ولد ينتسب لها، تخبىء صنوفاً من القهر والأحزان في عبها. من هنا نسجت فكري ونسجت النساء فكرها.

لم لا يكون للنساء من موقعها المختلف في الطبيعة والحياة نظرتها المختلفة، وفكرها؟

كان الحري بهذا الاختلاف أن يكون للعالمين رحمة، لكن الأب السيد أنكر على غيره الفكر، وسجن نفسه في سجن السلطان وذاته. سيد البيت والقبيلة والبلاد، وسيد الحزب أيضاً، إن تقدم أو تأخر. هو المعلم الشاعر الأديب المفكر الفنان المؤرخ، وهو القائد العسكري والمحارب والسياسي المحنك. ملك الأرض ومن عليها، وقاد الحياة بكل ما فيها، وأن عاندته نفى وسجن وقتل وتجبر.

لنلقي نظرة من حولنا على الدنيا، على عالمنا العربي، كل بلد فيه، وعلى العالم بدوله النامية والمتقدمة، ماذا نرى؟ أزمات سياسية واقتصادية متفاقمة، ومشاكل اجتماعية وبيئية وثقافية وفكرية. صراعات وحروب أهلية وقومية ودولية تظل تنفجر. وفي بلادنا كما في بلاد العالم يغزو الإحباط البشر صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، أميين ومثقفين. إذ تعاني المجتمعات من ظواهر القمع والاستبداد وانتهاك حقوق الناس، ومن العنف والجريمة والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. تتراكم الثروات في جانب وأعداد الجوعى يوماً عن يوم تتكاثر، هذه الأزمات والكوارث التي تهدد قيمة الحياة ومعناها، إشارة واضحة على حالة الإفلاس التي تعاني منها القيادات السياسية الوطنية والدولية، فلم تعد قادرة على مواجهة احتياجات الإنسان المتغيرة في مجتمعاتها، ولا هي تعيرها اهتماما أصلاً.

ونعرف أننا كنساء لم نكن طرفاً أساسياً في هذا الخراب الدائر، فلم نشارك في قرارات الحروب، ولا في الصراعات السياسية والاقتصادية ولا في وضع الفلسفة والقوانين الوطنية والدولية. مما يمنحنا بعض العزاء والأمل والقوة، فماذا ننتظر أكثر؟ وقدرنا الاهتمام والمسؤولية.

آن الأوان للنساء بالمختلف فيها أن تتدخل، أن تضع رؤيتها الخصوصية، جماعات لا فرادى، فالفرد يغلبه طغيان المهيمن أكثر. هذه الحياة لنا أيضاً، نعيد ترتيبها معاً، لتأخذ معناها وقيمتها الحقيقية. 

هذه خلاصة فكري، ما قادني اليه وعي بحرية، ما تراوح في عقلي من أفكار وأسئلة، وفي نفسي من أحاسيس ومشاعر، مما عايشته من تجارب النساء والرجال في حياتي، نظريات تسير بين الناس على الأرض، تكاد تنطق ما فيها. وإذ ألقي نظرة على عمري، أراه سلسلة من ومضات الوعي المبكر والمبادرات الجريئة، محفوفة بالحماقات الصغيرة والكبيرة. لكنها حياتي أنا.

غالية هي الحرية، أو ليس من أجلها تضحي الشعوب باستقرارها، لتنهار الإمبراطوريات ويتهاوى الطغاة  لا محالة ؟ غالية هي الحرية.

  • شهادة نشرت في مجلة تايكي، مجلة نسائية تصدر في الأردن، العدد ( 12 ) 2003، عدد خاص بالفكر النسوي.

[1] قعوة : كلمة كركية تطلق على الفتاة المكرسة لخدمة ورعاية الجدة هنا، أو لأي خدمات تحتاجها الأسرة.

[2] كتاب ” مذكرات فتاة رصينة ” ، للكاتبة سيمون دو بوفوار.

[3] ” كبف تقود النساء ” ، عنوان مساق يدرس في معهد الإدارة – جامعة هارفارد.

[4] عن تقرير معهد الدفاع الاستراتيجي الفرنسي ، عام 1997.

[5] كلمة اقتصاد Economy مشتقة من الكلمة اللاتينية Oikonomos  ومعناها التدبير المنزلي. عن كتاب:” If  Women Counted”

By:  Marilyn Warring .

أضف تعليق