منعطفات في غيبوبة صاحية

كنت كاملة الوعي عندما لفظني باب داري ، و بكى طفلي و لعن الشغل و المصاري ( النقود ) و لعن حتى اللعبة الموعودة ، شعرت بالبرد رغم الدفىء .. بردت .. باردة .. سأبرد أكثر .. و فجأة لسعني الحر . تحسست طريقي لمديرة العمل ، هبطت قليلا و انعطفت .. طرز الأقحوان كفّي .. ثم صدري .. ودودة كنت مع سائق التاكسي ، بحثت عن أقدام نحاس من ارثي .. مررت على صديق فما وجدته .. كانت الأشياء قريبة حبيبة .. وددت لو أجمع ألوانا لطفلي .. تزاحمت الأشياء .. شعرت أن احساسي انفجر .. فابتسمت .. مذهولة .. واعية  .. أسير .. واعية جدا .. للطريق ، للناس ، للنوافذ ، للمحلات ، للكتب ، و للألعاب السيارة التي تبرز في كل اتجاه .. تبدو لي مخيفة أحيانا .. و أشعر بالحنان نحوها عندما تكون وسيلة لكسب الرزق ( سيارة أجرة ) ، ركبت احداها لشارع الحمراء . الأشياء .. الناس تبهرني .. و لكن بمحبة ، تركت السيارّة فجأة عندما دعاني حذاء أصفر في واجهة محل ، و عندما اقتربت منه لم أحبه ، مثل طفلة أحسست نفسي أمام المشاهد التي تتحرك من حولي .. بدلال .. بكبرياء .. بقّلة حياء .. بهبل . رأيت ألوانا كثيرة ، أحببتها و امتلكت احداها ، و أحببت الفتاة التي باعتني ايّاها .. رأيت رجالا كلهم أحذية .. و رجالا كلهم ثياب .. رأيت رجالا كلهم عيون ، كالحشرات تتسلق البشر المارة و هم يصطفون على مقاهي الأرصفة ، و النساء كانت جميلة كالدمى ، أحببت جمالها كما أحببت ألعاب طفولتي . الأشياء تتحرك ، و الشخوص كذلك ، بجمال نادر صاف ، و عندما صادفني خاتم فضي جميل ، رافقته و وددت لو أنقش اسم حبيبي عليه ، تذكّرت زوجي و شعرت بالقرب منه ، أحببته كثيرا كما عندما رأته عيوني أول مرة .  مررت على صديقة ..و فسّرت لها حلما من كتاب اشتريته بعد مساومة ، طريف هذا الكتاب ، جو مفعم بالأساطير و التراث ، عندما فسّرت لها الحلم اطمأنت . 

        هناك قابلت امرأة أخرى من ملفاتي القديمة ، وجها عجوزا يتصابى ، بدأت رحلتها مع التاريخ منذ زمن بعيد ، أكبرت فيها هذا ، و سألتها عن أصدقاء و أحبة بعيدين مزروعين في الأرض السابعة ، حيث يحتّل عسكر الجنّ الأصفر و الأزرق بلادي .. و يحرثها ..

            تذكرت حلمي المريع ..  عن وباء كان ينتشر .. و ينتشر الخوف معه .. يفقد الناس فيه قدرتهم على الكلام .. كان مرعبا وقتها .. و لكنه الآن ذكرى .. 

           مرة أخرى .. في شارع الحمراء .. واجهات المحلات بدت جميلة .. و كانت النساء أطيازا” تسير ، و العيون تلحسها بجوع .. فجأة تصاعدت رائحة نتن قرّفتني ، و تذكرت جوعي ، فاشتريت علكة  .. كم يبلغ عدد الجوعى في هذا العالم .. تساقطت في رأسي أرقام سكان الأرض .. تذكرت حبوب منع الحمل و شعرت باحتقار نحوها .. 

      في العمل .. لا جديد ، بحثت عن زوجي .. له عندي خبر .. لم أجده .. هل أضعته ؟ 

 حاولت أن أجد نفسي في العمل ، فما وجدت شيئا .. فكرت بالبحث الذي أكتبه عن المرأة .. فتداعت في ذهني جمل أسطورية .. ذكّرتني حين كنت قارئة الموالد ، و معراج النبي ، لنساء الحي ، و أذكر الآن أن شعر رأسي كان يقف ، و يتدرن جلدي رعبا .. كانو يسمّون ذلك خشوعا .. لكنني كنت أنتشي و أنا أقرأ لجّدي ملاحم بطولات أبو زيد الهلالي و الزير سالم و عنتر بن شدّاد .. كنت أقرأها في أواخر الليالي .. فأبكي تارة .. و تارة أضحك و أتيه فخرا .. و كثيرا ما كنت أغفو على فروة جدّي .. فكانت هذه مدرستي الأولى .. قبل المدرسة ..

  غمرتني موجة من حنان .. فكّرت بطفلي .. في طريق عودتي لمحت البحر .. كان على يميني .. عظيما في اتساعه و جماله .. أمواجه .. دأوبة و قوية .. و على امتداد عيناي و البحر .. مرّت فتاة تسير كرجل .. و على كوع ( زاوية ) الشارع المقابل وقف شاب يلعق شفتيه بلسانه ..

         و ها أنا أرجع .. صدفة قدرية .. أن أجد نفس الطاولة .. و نفس المكان في انتظاري .. و عينا مدير المكان تمسكني .. تذكّرت الآن .. قبل أن أصل إلى هنا .. مررت على رفاق يعملون بقلق و توتر.. أخافني الجو فهربت .. بحثت عن مجلس النساء الأعلى .. كان قد انفرط .. إن شا الله ما اجتمع .. ! انفلت حسّي أكثر .. فرأيت نفسي شاردة .. و كدت ألحقها .. هذه اللحظة أرى رجلا يقّلب أوراقا .. و أسمع رجلا آخر يتحدّث : شو ملاعين ها النسوان.. أحاول أن أعيد صمام الأمان في نفسي إلى مكانه .. أركّز و أقول .. سأبتاع لعبة لطفلي و أعود لبيتي .. أرتجف بردا .. و على وهج سيجارتي أتدفأ ..

           في حالتي هذه .. جمال كبير يبتلع الأشياء و الناس .. صفاء .. نادر كأنه التقديس .. غيبوبة هي .. أم حالة شعرية ؟ .. تذّكرني بحالات الصوفية التي قرأت عنها .. أتذكر الصوف الذي أرتديه .. و أضحك في عرض الشارع ..فأتذكر مرضى الفصام بحنان .

         سمعنا عن العقاقير التي تعيد الأنسان الى طفولته و لو لفترة .. فيخلع ملابسه قطعة قطعة .. و ذكرياته .. ذكرى بعد ذكرى .. لكني لم أفعل شيئا من هذا .. فقط ليلة أمس .. شربت عصير ليمون .. به شيئ ما .. لكنه جاء .. و ذهب .. و أكلت بعده بجوع و شهية .. و انتظرت زوجي .. لكنني غفوت قبل أن يعود . . سرّ يا قلم .. للكلمات سحر لا يقاوم .. رفاق .. رفاق .. رفاق .. و نحن مشروع ثورة .. مخاض سريع .. ينقبض و يرتخي .. تختلط الأرض بالناس .. و نحن نعمل …   تذكّرت مخاضي في ولادة طفلي الأول .. لحظة انبثق مني .. اجتاحتني نشوة مصفاة بعد لم تتكرر .. قرأت مرّة في القرآن الكريم . .الكتاب المقدس عند المسلمين أجدادي .. كيف يولج الله الليل في النهار .. و يولج النهار في الليل .. لكن الشمس تشرق في النهاية .. و من الشرق دائما … أجل من الشرق .. الا اذا تلخبطت المجرة و انتهت دنيا لتبدأ دنيا …..

أضف تعليق