الدّور السّياسي للمرأة الفلسطينية على الصعيد الدولي

جاء الاعلان العالمي لحقوق الانسان في عام 1948 ليشكل اعترافاً من قبل المنظمة الدولية بحقوق ملايين المضطهدين في طول الارض وعرضها. ومن بينهم المرأة. حيث ان النضال من اجل انهاء اضطهاد الانسان لاخيه نضال واحد مترابط، سواء كان الاضطهاد واقع بسبب المصالح السياسية والاقتصادية أو بسبب التمييز في اللون أو الدين أو الجنس.

وبعد مرور أكثر من 25 عاماً على صدور ذلك الاعلان. وبعد ان فرض حجم القوى النسائية العاملة نفسه على المجتمعات البشرية (حيث أصبحت تشكل اكثر من ثلث القوى العاملة في العالم. وهي آخذه في التزايد يوماً عن يوم). فقد أصبحت تواجه العالم مهمة ملحّة لحل المشاكل المتعلقة بالتمييز ضد ملايين النساء. وهكذا، عمدت الأمم المتحدة إلى الاعلان عن ضرورة العمل على انهاء التمييز ضد المرأة ومساوتها بالرجل في كافة المجالات، واعلنت الجمعية العامة للامم المتحدة في عام ض1975سنة دولية للمرأة، وكان هذا القرار استجابة للعديد من الاقتراحات من منظمات وقوى نسائية مختلفة وأهمها الاقتراح المقدم من قبل الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي. وقد تضمن نصّ القرار أن يكرّس العالم 1975 لمضاعفة العمل على تشجي المساواة بين الرجل والمرأة، وضمان الادماج التام للمرأة في المجهود الانمائي الكلي. وزيادة اسهام المرأة في تعزيز السلم العالمي.

لقد بدأ العالم – بنسائه ورجاله – يشعر بحجم الخسارة التي تلحق بالمجتمع البشري نتيجة التمييز ضد المرأة، وحجم الظلم الواقع على النساء نتيجة هدر طاقاتهن وعدم تقدير الجهود المبذولة من قبلهن.

وقد اكدت الأمم المتحدة وبشكل واضح ان مشاكل المرأة جزء عضوي لا يتجزأ من مشاكل المجتمع باسره، وان التصدي لحل اية مشكلة من المشاكل المتعلقة بالمرأة. لا يمكن ان يتم بمعزل عن التصدي لمشاكل المجتمع عامة، والمساهمة الفعالة في عملية التغيير الاجتماعي. ومن هنا جاءت فيها بعد شعارات عقد المرأة التنمية / المساواة / السلام، فكانت تعبيراً حقيقياً عن الترابط الذي لا انفصام فيه بين قضية المرأة وقضية المجتمع. واصبح واضحاً أنه لا يمكن السير بالعالم على طريق التقدم والتنمية والاستقلال الوطني دون المشاركة الواسعة للنساء على قدم المساواة مع الرجال وفي كافة المجالات.

البدايات الأولى للمرأة الفلسطينية:

ان المرأة العربية الفلسطينية، والتي تشارك نساء العالم في المعاناة من التمييز القائم على الجنس. وخاصة نساء العالم الثالث، تعاني بالاضافة إلى ذلك من الاضطهاد القومي الذي يعانيه شعبها بكل ما فيه من ظروف الاستغلال السياسي والاقتصادي، حيث تعيش غالبية الشعب الفلسطيني خارج ارض الوطن وتعيش البقية الباقية كمواطنين من الدرجة الثالثة تحت نير الاحتلال الصهيوني.

وبالرغم من هذا الاضطهاد المركب بكل ما يفرزه من ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة، فقد تميزّت المرأة الفلسطينية من بين نساء العالم بوعيها المتقدم، حيث لم تعزل نفسها عن قضية شعبها حتى وهي تعيش في اشد حالات التخلف الاجتماعي فقامت بدور ريادي متميز منذ بدايات هذا القرن، ودخلت في صلب العملية الاجتماعية، عندما بادرت بالانخراط في النضال الوطني، وخرجت وهي لا نزال محجبة مع جموع الشعب الفلسطيني في مظاهرات عام 1920 للمطالبة بالغاء وعد بلفور، وقف الهجرة اليهودية إلى ارض فلسطين.

وقد سبقت المرأة الفلسطينية في هذا الوعي المتميز الكثير من النساء في العالم، وتمكنت من أن تعلب دوراً هاماً في النضال الوطني الفلسطيني وعلى مدى اكثر من نصف قرن في مواجهة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وكافة اشكال الاستغلال الاقتصادي والسياسي والاستلاب الاجتماعي والثقافي. وقبل ان يدرك العالم مدى الارتباط الحاصل بين اوضاع النساء وقضايا المجتمع، ومدى أهمية المساهمة الفعّالة للنساء في تقدم المجتمع البشري، ولعل في طبيعة القضية الفلسطينية بحد ذاتها ما دفع المرأة لهذا الوعي المبكر.

بدايات تنظيم عمل المرأة 1921– 1948 :

كانت أول محاولة لتنظيم المرأة في عام 1921، عندما قامت السيدتان ميليان السكاكيني وزليخا الشهابي بتشكل نواة الاتحاد النسائي الفلسطيني مع نساء اخريات، كان هذا الاتحاد يعتبر امتداداً للاتحاد النسائي العربي في القاهرة والذي كانت ترئسه السيدة هدى شعراوي. وقد قام هذا الاتحاد بقيادة العمل النسائي في فلسطين من خلال فروعه في حيفا ونابلس ويافا والقدس ومختلف مدن وقرى فلسطين. وقد شملت نضالاته الاشكال التالية:

1- اشكال النضال السلبي من خلال توقيع العرائض وارسال برقيات الاحتجاج للمنظمات الدولية الانسانية ولمواجهة مخططات العدو.

2 – اشكال النضال الجماهيري كالقيام بالاعتصامات، وتسيير المظاهرات وتنظيم الاضرابات، وكان من ابرزها المؤتمر الذي عقدته المرأة في العام 1929 وحضرته 300 سيدة واتخذت فيه القرارات وشكلت اللجان لتنفيذ تلك القرارات، وسارت النساء بعد انتهائه في مظاهرة جابت بها شوارع القدس متوجهة إلى مقر المندوب السامي البريطاني كما كان للنساء والطالبات الدور الاكبر في انجاح الاضراب الكبيثر الذي دام ستة اشهر عام 1936.

3 – اشكال العمل الاجتماعي، والذي تمثل بفتح المستشفيات وجمعيات لرعاية اسر الشهداء والفدائيين وجميعات جمع التبرات لشراء الاراضي من الفلاحين غير القادرين على دفع الضرائب الباهظة، وتشكيل فرق الاسعاف الميدانية.

4 – النضال العسكري، والذي تميزت به المرأة في القرى، حيث كانت تقوم بتوصيل المؤن والذخائر للفدائيين في الجبال. بل ان مشاركة المرأة وصلت إلى حد المشاركة في المعارك ضد قوات الانتداب البريطاني وفرق الهاجاناه الصهيونية، فاستشهدت فاطمة غزال في معركة قرب جنين عام 1936 كما استشهدت حياة البلبيسي وحلوه زيدان وجميله صلاح وذيبه عطيه اثناء دفاعهن عن قرية دير ياسين عام 1948.

مرحلة ما بعد 1948 :

بعد حرب 1948 ووقوع الجزء الاكبر من الارض الفلسطينية تحت الاحتلال الصهيوني، واضطرار اعداد كبيرة ما لشعب الفلسطيني للهجرة للبلاد العربية المجاورة خوفاً من المذابح الصهيونية، لحق دمار كبير في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعب الفلسطيني.

وقد لعبت المرأة في هذه المرحلة دوراً هاماً في الحفاظ على تماسك الاسرة بعد استشهاد أو اعتقال أو رحيل الاب بحثاً عن العمل. كما خرجت إلى سوق العمل. وقامت بدور هام في لئم جراح الحرب بانشاء دور الايتام وجمعيات رعاية اسر الشهداء. تأهيل النساء للعمل واقتصر الدور السياسي للمراة في هذه المرحلة على المشاركة في الاحزاب الوطنية والقومية العربية، ومن الشواهد البارزة على هذه المشاركة استشهاد الطالبة رجاء ابو عماشه وهي تقود مظاهرة في شوارع القدس ضد حلف بغداد عام 1955. حيث قتلت برصاص الجنود البريطانيين وهي تمزق العلم البريطاني.

تأسيس الاتحاد العام للمراة الفلسطينية:

بعد ان مرت سنوات على الهجرة، وبدأ الأمل في العودة يبتعد شيئاً فشيئاً، بدأت تلح على العديد من النساء الفلسطينيات فكرة اعادة تجميع الهيئات النسائية الفلسطينية في وحدة متكاملة من اجل زجها في العمل النضالي الهادف إلى تحرير فلسطين. وقد اختمرت هذه الفكرة ونشطت عندما بادرت السيدة وديعة خرطبيل رئيسة الاتحاد النسائي الفلسطيني في لبنان بالدعوة إلى اجتماع عقد في بيروت عام 1963، حضرته ممثلات عن الاتحادات والجمعيات النسائية الفلسطينية في البلاد العربية. غير ان هذا التحرك سرعان ما عاد وخبا، إلى ان عاد مرة اخرى اثناء انعقاد المؤتمر الفلسطيني الأولعام 1964 في مدينة القدس، والذي شاركت فيه المرأة جنباً إلى جنب مع الرجل، تناقش وتقترح وتقرر، وتبلورت الفكرة اكثر بتشجيع من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على اثر تأسيسها بعد المؤتمر الاول. فاستجابت السيدة زليخا الشهابي ودعت فعلا إلى اجتماع اولي لممثلات الهيئات النسائية الفلسطينية في فلسطين والبلاد العربية، وعقد الاجتماع في 20/2/1965 للبحث في عقد مؤتمر عام لجميع الفعاليات النسائية الفلسطينية.

وقد تقرر في هذا الاجتماع التاريخي تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر، وانتخبت السيدة زليخا الشهابي رئيسة لها، كما تقرر زمان ومكان المؤتمر، وحددت اهداف المؤتمر على النحو التالي متوحيد التنظيمات النسائية الفلسطينية في اتحاد واحد، يدعى الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وحشد جميع طاقات المرأة وتعبئة امكانياتها النضالية في مختلف الميادين، وتحديد دورها في معركة التحرير، وذلك تمشياً مع القرار الذي اتخذه المجلس الوطني والذي ينصّ على اشراك المرأة الفلسطينية في جميع مجالات العمل التنظيمي والنضالي على مختلف المستويات ومساواتها بالرجل في جميع الحقوق والواجبات.

وكان من بين الاعمال الهامة التي قامت بها اللجنة التحضيرية :

1 – مناقشة واقرار مشروع دستور للاتحاد لعرضه على المؤتمر.

2 – اعداد مشروع لائحة داخلية للمؤتمر، وقسيمة موحدة للانتساب، ومشروع ميزانية.

3 – تحديد مواضيع الابحاث والدراسات التي سيناقشها المؤتمر.

4 – وضع مشاريع اولية للتوصيات والقرارات.

5 – تحديد فئات المدعوين للمؤتمر.

وقد عقد المؤتمر في القدس في الفترة ما بين 15-20 تموز 1965 وحضرته ممثلات عن الهيئات النسائية الفلسطينية المختلفة من كافة الاقطار العربية وشخصيات وطنية ذات فعالية فكرية أو اجتماعية. ومندوبات عن الهيئات النسائية العربية والعالمية.

وقد توزع المؤتمر على لجان ناقشت كافة القضايا الاساسية، والعديد من الدراسات والابحاث حول دور المرأة في التنظيم الشعبي، وقد التوعية والاعلام، وحول خطر الحركة الصهيونية وغيرها، وقد اتخذت في المؤتمر قرارات هامة مالية، واجتماعية، وسياسية واعلامية وتنظيمية، كما تم انتخاب مجلس اداري للاتحاد قام بدوره بانتخاب هيئة تنفيذية، واصدر بياناً أعلن فيه عن قيام الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، مناشداً النساء الفلسطينيات الالتفاف حوله اينما كان موقع تواجدهن.

وبهذا المؤتمر بدأت المرة الفلسطينية مرحلة الانطلاق من الاطار الداخلي على الساحة الفلسطينية إلى الاطار الخارجي العربي والدولي.

المرأة ورحلة الكفاح المسلح:

وجاءت انطلاقة الكفاح المسلح عام 1965 لتدفع بنضال المرأة خطوات إلى الامام، وخاصة بعد حرب حزيران 1967، والتي انتهت بهزيمة الجيوش العربية امام اسرائيل، واحتلال الجزء الباقي من فلسطين وكان للمرأة دورها الكبير في تعاظم الوعي لدى جماهير الامة العربية والشعب الفلسطيني خاصة، بأن الكفاح الشعبي المسلح والطويل الامد هو الطريق الصحيح لتحرير فلسطين. فبدأت المرأة الفلسطينية داخل الارض المحتلة تتصدى لقوات الاحتلال وتشارك في العمليات العسكرية، كما بدأت اسماء المعتقلات والشهيدات تتوالى. وجاءت نضالات المرأة خارج الارض المحتلة امتداداً لنضالها في الداخل، وتنامت جهود النساء من خلال فروع الاتحاد ولجانها المختلفة بدءاً بالعمل الاجتماعي لدعم الفدائيين وانتهاء بمعسكرات المليشيا النسائية، ثم عبر المؤامرات العديدة التي تعرضت لها الثورة والمعارك الضاربة التي خاضتها، والتي زادت من صلابة  عود الثورة ونضال المرأة الفلسطينية، حتى شملت نضالاتها.

1- تكثيف البرامج الثقافية والاجتماعية من خلال مراكز مح الامية، والتأهيل المهني وتوسيع شبكة دور الحضانة ورياض الاطفال في المخيمات.

2- انشاء المراكز الانتاجية والمطاعم الشعبية.

3- التدريب العسكري، والمشاركة في الحراسات والكمائن وتخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية وبرامج الادارة الذاتية.

4- تطوير العلاقات مع الاطر المختلفة في الساحة الفلسطينية والعربية والدولية.

ولم تنحصر مشاركة المرأة داخل اطر الاتحاد، وانما تعدته للمشاركة في مختلف المؤسسات والنقابات الفلسطينية وفي احصائية سريعة اعدت في منتصف عام 1980، بلغت نسبة مشاركة المرأة في مؤسسات الثورة كما يلي:

مؤسسة صامد                              67% (و 27% من الاطر القيادية).

مؤسسة الاعلام                             24%

مؤسسة الشؤون الاجتماعية                65%

مؤسسة الهلال الاحمر الفلسطيني 70% (و 25% من الكوادر القيادية)

مركز الابحاث                             45%

مركز التخطيط                             36%

كما ازداد حجم تمثيل المرأة في الاطر السياسية المختلفة، فبلغت نسبة وجودها في المجلس الوطني الفلسطيني 10% من مجموع المجلس، ممثلة لاطر مختلفة سياسية واجتماعية ونقابية واعلامية ثقافية، بعد ان كانت نسبتها لا تزيد عن 4% تمثل شخصيات نسائية فلسطينية مستقلة.

لقد تمكنت المرأة الفلسطينية وعبر مؤتمراتها العامة، وخاصة المؤتمر الثاني في آب 1974 والذي حضره حوالي خمسون وفداً من البلاد العربية والدول الصديقة والقوى التقدمية وحركات التحرر من آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، فكان علامة بارزة في انطلاقة المرأة الفلسطينية على الصعيد الدولي، والتي اصبحت تشكل رافداً اساسياً للثورة. وقد استطاعت عبر مؤتمراتها المتعاقبة ان تبلور تجاربها وتطور اتجاهاتها وتحدد الشعرات الخاصة بها، وربطت بشكل لا يقبل الفصل قضية تحرر المرأة بقضية تحرير المجتمع من خلال شعار الوطن والانسان.

وتميزت مواقف المرأة، ممثلة بمواقف الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية وعبر بياناتها السياسية في المناسبات والاحداث السياسية الفلسطينية والعربية، وعبر بيانات مؤتمراتها العامة المتعاقبة، بمواقف سياسية متميزة ومستقلة، بل ان الاتحاد كثيراً ما خاض صراعات اساسية مع الاطر المختلفة سواء داخل الساحة الفلسطينية أو العربية أو الدولية، نتيجة لهذه المواقف.

وقد اتخذت الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية من وحدة الحركة النسائية قاعدة لنضاله. ومن اجل تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية. وتطوير اساليب العمل لتعميقها داخل اطر ومؤسسات م.ت.ف المختلفة. وكان الاتحاد حريصاً وباستمرار على صدق التمثيل لكافة القوى السياسية الفلسطينية ضمن جبهة تمكنه من خوض نضاله السياسي.

وقد تشكّل التلاحم الذي تصدت به النساء الفلسطينيات واللبنانيات، غير سنوات الحرب اللبنانية، لاسقاط مؤامرة تصفية الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية (حيث كان مقر الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية مركزاً لتجمع الاتحادات واللجان اللبنانية والفلسطينية المختلفة) مثلاً ساطعاً على امتداد دور المرأة الفلسطينية في المجال العربي، والذي يمكن ان نلمسه ايضاً في الدور الريادي القومي الوحدوي الذي لعبته داخل اطر الاتحاد النسائي العربي، منذ تأسيسه وحتى اليوم.

وهكذا فاننا نجد ان النضال السياسي للمرأة الفلسطينية قد ارتكز على ثلاثة محاور:

1 – النضال في اوساط الجماهير النسائية وكافة الاوساط الفلسطينية.

2- النضال مع الاطر النسائية العربية وفي اوساط جماهيرها.

3- النضال على المستوى العالمي من خلال العلاقات الثنائية وعبر اللقاءات والمؤتمرات الدولية.

المرأة الفلسطينية على الساحة الدولية:

قبل انشاء منظمة التحرير الفلسطينية وانطلاقة الثورة الفلسطينية، وقبل تشكيل الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، كانت المرأة الفلسطينية تخرج للساحة الدولية في الخمسينات وبداية الستينات، ضمن الوقود العربية، ومن خلال مشاركتها في الجمعيات والاحزاب العربية وكانت هذه الوفود تشارك في المؤتمرات في تناقش القضايا الاجتماعية والنسائية والانسانية عامة، ونذكر منها على سبيل المثال – المؤتمر العالمي للمرأة لبحث القضايا الاجتماعية Woman International Congress For Social affairs والذي عُقد في اليونان عام 1959. وشاركت فيه السيدة عصام عبد الهادي ونساء اخريا باسم وفد الأردن كما شاركت السيدتان. وديعه خرطبيل وصبا الفاهوم في اجتماعات الجامعة الدولية للمرأة من اجل الحرية والسلام Woman International League For Peaceand Freedom، ضمن الوفد اللبناني، ولعدة دورات.

ولكن وبعد تشكيل الاتحاد لعام المرأة الفلسطينية. وقبوله عضواً في الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي (اندع) عام 1968، بدأت المرأة الفلسطينية تشارك بفعالية في مؤتمرات وندوات (اندع) وتوسعت دائرة اتصالاتها بالاتحادات والقوى النسائية التقدمية في العالم، وكانت اول مشاركة لها في مؤتمر (اندع) الذي عُقد في هلسنكي عام 1969 وتوالت الدعوات للمؤتمرات، كما توالت المؤتمرات الداخلي للاتحاد نفسه. وقد تمكنت المرأة الفلسطينية من ان تلفت انظار نساء العالم بالوعي والنضج اللذين تمثّلا في الشعارات التي طرحتها والتجارب العملية التي خاضتها على ارض الواقع وفي كافة المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية والعسكرية، واصبحت تلقى التقدير والاحترام لنضالاتها والدعم والتأييد لقضية شعبها.

وقد ترافق كل هذا مع التصاعد النضالي الذي حققته الثورة الفلسطينية على ارض الواقع ومن خلال المعارك الضارية التي خاضتها والمسؤولية الكبرى التي تحملتها في الدفاع عن الشعب الفلسيطين وقضاياه المصرية. والذي أدى إلى اعتراف العالم العربي بمنظمة التحرير الفلسيطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني في مؤتمر قمة الرباط 1974. ثم إلى اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة وباغلبية ساحقة بالنضال العادل للشعب الفلسطيني وبتمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني. وقبولها عضواً مراقباً في الجمعية العامة للامم المتحدة في تشرين ثاني 1974. وكانت الثورة الفلسطينية وقد بدأت تستقطب اهتمام العالم كطليعة للنضال التحرري في العالم وخاصة بعد انتصار الثورة الفيتنامية.

وهكذا فان قدرة الثورة على الفعل والتغيير على ارض الواقع، والتي لعبت المرأة الفلسطينية دوراً هاماً في بنائها وتطويرها، هي الآلية الاساسية التي مكّنت م.ت.ف من تطور القرارات والرأي العام العربي والدولي لمصلحة قضايا الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

المرأة الفلسطينية والعام الدولي للمرأة:

في اواخر عام 1974، وفي الوق الذي اعترفت به الأمم المتحدة بـ.م.ت.ف كممثل شرعي للشعب الفلسيطين وقبولها عضوراً مراقباً في كافة اجتماعات ومؤتمرات الامم المتحدة، اتخذ المجلس الاقتصادي والاجتماعي للامم المتحدة – وبناء على توصية من لجنة المرأة في الامم المتحدة – قراراً يقضي بضرورة عقد مؤتمر دولي خلال السنة الدولية للمرأة. كنشاط محوري يتوج الجهود المبذولة تجاه قضايا المرأة في العالم، وقد أصبح من الطبيعي ان يحضر وفد م.ت.ف هذا المؤتمر، وان يلعب الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية دوراً أساسياً في الاعداد للمشاركة في هذا المؤتمر وفي تشكيل الوفد المشارك.

وعندما وقعت أحداث عين الرمانة في نيسان 1975، كان الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية قد بدأ نشاطاته من اجل العام الدولي للمرأة. وكان عليه ان يوقف بعض النشاطات للمشاركة في تخفيف الآلام والمشاكل التي نجمت عن هذه الاحداث. وبمجرد ان بدأت تستقر الظروف بعض الشيء بادر الاتحاد بالتعاون مع المؤسسات الاخرى في تشكيل لجنة وطنية فلسطينية للتحضير للعام الدولي للمرأة، وللمؤتمر الذي سيعقد خلال العام نفسه.

وقد وضعت هذه اللجنة برنامجاً لعام المرأة الدولي ارتكز على اربعة محاور:

أولاً: محور العمل النسائي الفلسطيني. وتم التركيز في هذا المحور على الشعارات التالية:

1 – لنتعرف على واقعنا: وشمل اجراء دراسات عن واقع المرأة الفلسطينية من كافة جوانبه.

2 – التحرر من الأمية خطوة لتحرير الوطن.

3 – لكل مخيم روضة اطفال ومركز تأهيل مهني للمرأة.

4- لا تحرر بدون المشاركة في النضال.

ثانياً: محور العمل في الساحة الفلسطينية، من أجل العمل على تطوير أوضاع المرأة داخل كافة ؤسسات وأطر الثورة الفلسطينية.

ثالثاً: محور الساحة العربية، ويتم التركيز فيه على تدعيم العلاقات مع الاطر النسوية العربية، والنضال معاً من اجل تطوير اوضاع المرأة العربية، ومعالجة مشاكلها الاجتماعية والوطنية.

رابعاً: محور الساحة الدولية، ويتم التركيز فيه على التحضير للندوات والمؤتمرات الدولية من خلال اعداد النشرات والكتيبات والدراسات وكافة أنواع الاعلامية للتعريف بقضايا المرأة الفلسطينية وقضية الشعب الفلسطيني، ومن أجل الحصول على دعم الرأي العام الدولي للافراج عن المعتقلات الفلسطينيات، والوقوف إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في وطنه واقامة دولته المستقلة.

ولقد تمكنت المرأة الفلسطينية من انجاز جزء لا بأس به من اهداف وشعارات هذا البرنامج خلال العام الدولي للمرأة، كما شاركت في معظم المؤتمرات واللقاءات التحضيرية التي عقدت في ذلك العام للاعداد للمؤتمر الدولي الذي تقرر عقده في المكسيك، وحققت العديد من الانجازات السياسية لقضية الشعب الفلسطيني ونضاله العادل من اجل حقوقه المشروعة، رغم كافة الظروف الصعبة التي كانت تحيط بالثورة الفلسطينية وجماهيرها في لبنان عام 1975.

مؤتمر المكسيك الدولي لعام المرأة وادانة الصهيونية عام 1975:

عُقد مؤتمر المكسيك في الفترة ما بين 19/6- 2/7/1975، وقد شاركت في الدول الاعضاء في الامم المتحدة بالاضافة لوفود مراقبة من منظمات دولية رسمية وغير رسمية، ووفود مراقبة لحركات التحرر الوطني ومن بينها وفد م.ت.ف، وقد كانت هذه اول ابرز مشاركة للمرأة الفلسطينية على الصعيد الدولي وباسم م.ت.ف كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وقدمت في المؤتمر العديد من الدراسات حول أوضاع النساء في العالم، والبرامج التي تمّ انجازها من اجل انهاء التمييز ضد المرأة، وعقدت – وبشكل موازي للمؤتمر الرسمي – ندوة شعبية شاركت فيها العديد من الهيئات والمنظمات الشعبية في العالم، نوقشت فيها اوضاع النساء في العالم.

ولقد تمكنت المرأة الفلسطينية من ان تشارك فعالية كبيرة، سواء في الندوة الشعبية والتي لعبت دوراً في التأثير على الرأي العام، أو في المؤتمر الرسمي، وكانت فرصة هائلة للمرأة الفلسطينية، حيث لم تلتق هناك فقط بمعسكر الاصدقاء، وانما ايضاً بجبهة الاعداء. وعندما طرحت قضية علاقة قضايا النساء بقضايا التحرر والاستقلال الوطني في العالم وجوبهت بحملة معادية تطالب بعدم تسييس المؤتمر، احتدم الصراع ما بين المعسكرين.. ولكن وبالرغم من الصراع الحاد الذي اقام المؤتمر وأقعده، الا ان وفد م.ت.ف وبدعم من الوفود العربية الصديقة، تمكن من انتزاع ادانة صريحة للصهيونية في نص الاعلان العالم للمؤتمر، الذي اعتبرها شكلاً من اشكال التمييز العنصري، وعلى قدم المساواة مع الاستعمار والاستعمار الجديد والتمييز العنصري.

لقد كانت صفعة قوية للامبريالية ان تتمكن النساء الفلسطينيات، ولأول مرة في تاريخ مؤتمرات الأمم المتحدة، من انتزاع مثل هذه الادانة الصريحة للصهيونية، اذ جاء في البند 32 من الاعلان، ان التعاون الدولي من اجل السلام يتطلب دعم الشعوب لتحقيق تحررها واستقلالها الوطني، والعمل على انهاء كافة اشكال الاستعمار والاستعمار الجديد، والاحتلال الاجنبي، والصهيونية وكافة اشكال التمييز العنصري، كما يجب الاعتراف بحق الشعوب بالعيش بكرامة وفي تقرير المصير)).

كما اكد النداء الذي صدر عن المؤتمر والذي عُرف ((بنداء المكسيك)) على ان النساء اللواتي يعانين مع شعوبهن جنباً إلى جنب من الاستعمار والاستعمار الجديد، يلاقين من المعاناة والظلم اضعاف غيرهن من النساء، وقد اكد على ضرورة تضامن ووحدة النساء في كافة انحاء العالم من اجل النضال ضد كافة اشكال الاستغلال، ليكنّ طاقة ثورية هائلة من اجل التغيير الاجتماعي والاقتصادي في العام.

كما اعتمد المؤتمر في اعلانه مباديء اساسية بشأن مساواة المرأة واسهامها في التنمية والسلم لعام 1975، وحدد خطة العمل العالمية لتنفيذ اهداف السنة الدولية للمرأة.

وكان لهذا الاعلان اصداء واسعة في كافة ارجاء العالم، وخاصة فيما يتعلق بالادانة الصريحة للصهيونية كشكل من اشكال التمييز العنصري. وبقي اعلان المكسيك وما تضمنه من مباديء وأهداف اساساً للعمل في جميع اللقاءات والمؤتمرات التي تلته خلال العام الدولي للمرأة، كما تمّ التاكيد على مضامينه في عدد كبير من اجتماعات الامم المتحدة الاقليمية والقطاعية والدولية.

مؤتمر برلين لعام المرأة الدولي 1975 :

كان الاعداد لمؤتمر برلين قد بدأ منذ نهاية عام 1974، ومباشرة بعد القرار الذي اتخذه المجلس الاقتصادي والاجتماعي للامم المتحدة في نهاية 1974، وبناء على توصية لجنة المرأة في الامم المتحدة بعقد مؤتمر دولي خلال عام المرأة، وبعد ان اقرّت الامم المتحدة عقد المؤتمر الدولي في المكسيك أصبح الاعداد للمؤتمرين يتم بشكل متواز.

وكانت العديد من الهيئات والمنظمات العالمية والاقليمية والوطنية قد طالبت بعقد مؤتمر برلين لعام المرأة الدولي، ووجهت نداء مشتركاً عوفيه لعقد مؤتمر عالمي لعام المرأة في تشرين الأول 1975 في برلين عاصمة جمهورية المانيا الديمقراطية. وعلى الفور تشكلت لجنة تحضيرية للمؤتمر عقدت اول اجتماع لها في المجر اواخر 1974 وضمت في عضويتها 80 منظمة دولية واقليمية ولجاناً تحضيرية وطنية وأضيف لهذا العدد، عدداً آخر من المنظمات خلال عام 1975، وانتخبت من هذه اللجنة هيئة تنفيذية من 19 منظمة دولية، كانت مهمتها تنفيذ قرارات اللجنة التحضيرية، وقد اقامت العديد من الندوات والمؤتمرات لبحث مخلف القضايا الدولية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وانبثقت تسع لجان لاعداد اوراق عمل للمؤمر، كانت تتجمع في وقت واحد في مدن عديدة في اوروبا واميركا الشمالية، وشاركت في لقاءات العمل هذه اكثر من مئة منظمة دولية واقليمية ووطنية، وقدم ممثلو الامم المتحدة ومنظماتها المختصة الدعم والمساندة لتنفيذ الاعمال التحضيرية للمؤتمر.

وقد شارك الاتحاد العالم للمرأة الفلسطينية في لجنة اعداد ورقة عمل، المرأة والنضال في سبيل الاستقلال الوطني والتضامن العالمي))، التي عقدت اجتماعها في موسكو بتاريخ 10/9/1975.

وعندما عقد مؤتمر برلين في تشرين أول 1975، شارك فيه 2000 ممثل الـ 140 دولة و 86 منظمة دولية ونسوية وطلابية وشبيبية ونقابات ومنظمات دينية واجتماعية، ويمحكن القول انه قد شارك في اعمال المؤتمر ممثلون من جميع انحاء العالم، وحضره اكثر من 700 صحافي من 200 صحيفة ومجلة و 12 وكالة انباء ومحطات اذاعة وتلفزيون، وقد نوقشت فيه اوراق العمل التي كانت قد أعدت في مرحلة التحضير في تسع لجان توزع عليها المشاركون في المؤتمر وهي :

1- لجنة مساواة المرأة في المجتمع قانوناً وواقعاً.

2- المرأة والعمل في الصناعة والزراعة (حق العمل، اختيار المهن، التأهيل، وقاية العمل، الصحة وشؤون التقاعد).

3- مساهمة النساء في التنمية الاجتماعية، والاستقلال السياسي والاقتصادي لبلادهن، وفي البناء الديمقراطي والتقدم الاجتماعي.

4- الاسرة والمجتمع (الزواج، حماية الامهات والاطفال، مسؤوليات تربية الاطفال).

5- تعليم المرأة ومشاكل الامية، المرأة والعلم والثقافة.

6- نضال المرأة من اجل السلم والانفراج والأمن الدولي، ومن اجل نزع السلاح ووقاية البيئة.

7- المرأة والنضال في سبيل الاستقلال الوطني والتضامن العالمي.

8- تأثير وسائل الاعلام والادب والفن على الرأي العام تجاه المرأة.

9- التعاون والعمل المشترك بين نساء العالم والمنظمات الحكومية وغير الحكومي ومنظمة الامم المتحدة من اجل انجاز اهداف العام الدولي للمرأة.

وقد تلقى المؤتمر اكثر من 900 رسالة وبرقية من رؤساء الدول والعديد من المنظمات والنقابات العالمية والشخصيات البارزة، وكان من بين هذه الرسائل رسالة من القائد العام للثورة الفلسطينية رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لاقت ترحيباً حاراً ووقف لها المؤتمر اكثر من دقيقتين.

وقد تمكن وفد الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية من الانتشار على جميع  اللجان والمشاركة بفعالية في اعمالها، وتطرق لقضايا المرأة والشعب الفلسيطيني من مختلف جوانبها، وتوصل إلى العديد من القرارات والتوصيات بشأن دعم مشاريع المرأة الفلسطينية. ودعم وتأييد نضالها مع شعبها من اجل التحرر والاستقلال الوطني، كما رحبت تقارير اللجان بمشاركة وفد م.ت.ف في الدورة 29 للامم المتحدة، وبالاعتراف الدولي المتنامي بمنظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والذي تجسّد في القرارات التي اتخذت في الدورة 29 للامم المتحدة وخاصة القرار 3236. كما أكدت تقارير معظم اللجان على ادانة الصهوينية كحركة عنصرية.

وكان من بين التوصيات الهامة للمؤتمر توصية لرئيسة المؤتمر السيدة فريدا براون بتوجيه رسالة باسم المؤتمر إلى السيد كورت فالدهايم الامين العام للامم المتحدة آنذاك خاصة بقضية الشعب الفلسطيني، وقد تضمن نص الرسالة: ان المؤتمر يرجو من الامين العام التدخل لوقف المذابح والهجمات التي تشنها الامبريالية والصهيونية وبعض الاطراف العربية ضد الشعب الفلسطينين في الارض المحتلة وفي  مخيمات النزوح، وضد القوى الوطنية والتقدمي في لبنان، واستخدام كافة الاجراءات المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة للضغط على اسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة والالتزام بقرار الامم المتحدة رقم 3236.

وق كانت هذه النتائج ثمرة للجهود المتواصلة للنساء الفلسطينيات على ارض الواقع، في التحضير لهذه المؤتمرات وفي المشاركة الفعالة فيها، وبانتشارهن على كافة الوفود واللجان بشكل مدروس وفعال. 

وان لم تكن قرارات مؤتمر برلين الدولي ملزمة دولياً، الا أن هذا المؤتمر، ومن خلال الجهود التي بذلت في التحضير لمختلف نشاطاته، والتبادل الواسع للتجارب والآراء الي تم اثناء المؤتمر، جعلت فيه اكبر ندوة شاملة تعقد في تاريخ الحركة النسائية حتى ذلك الوقت، ليس فقط بسبب اتساع حجمه وتركيبته الشاملة، بل بسبب نوعية المشاكل والقضايا التي ناقشها تحت شعارات عام المرأة الدولي (المساواة/ التنمية/ السلام)، مما جعل منه علامة مميزة على طريق تحقيق المساواة ومن اجل التقدم والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني والسلام العالمي.

المرأة الفلسطينية وعقد المرأة الدولي 1976 – 1985 :

في الدورة الثلاثين، اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة في 15 كانون الاول 1975 قراراً باعلان تسمية الفترة من عام 1976-1985 ((عقد الامم المتحدة للمرأة)) تحت شعارات: المساواة والتنمية والسلام، على ان يكرس العقد للعمل الفعّال والمتواصل على المستويات القومية والاقليمية والدولية لتنفيذ خطة العمل العالمية وقرارات المؤتمر المتعلقة بها، كما قررت ان في منتصف العقد (عام 1980( إلى عقد مؤتمر عالمي يضم جميع الدول لاستعراض وتقييم التقم في تنفيذ اهداف السنة الدولية للمرأة، حسب ما أوصت به المؤتمرات العالمية للسنة الدولية للمرأة، وللقيام بتعديل البرامج القائمة في ضوء ما يتوفر من البيانات والبحوث الجديدة.

وبدأت الهيئات النسائية الاقليمية والوطنية والدولية تُعد البرامج والمشاريع والدراسات، وتعقد الاجتماعات على المستويات المختلفة لانجاز ما يمكن انجازه قبل مؤتمر منتصف العقد. وفي هذا الوقت، والذي امتد ما بين الاعوام 76-79، كانت الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية تخوض معارك طاحنة ضد المخططات التصوفية الامبريالية الصهيونية والمتحالفة مع الرجعية، وكانت النساء الفلسطينيات واللبنانيات في صلب عملية المواجهة لهذه المخططات مع قواها التحررية وجماهيرها، وقد لعبت دوراً هاماً في الاحداث وخاصة اثناء حصار بيروت عام 1976 وفي احداث المسلخ والدكوانه وتل الزعتر، ثم اثناء الاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان في آذار 1978، اذ شاركت في رعاية المهجرين واسر الشهداء وفي عمليات الادارة الذاتية في المناطق المحاصرة وتأمين المواد الغذائية والقيام بحملات التطعيم للأطفال، المشاركة في القتال في محاور المواجهة والتي سقطت فيها العديد من الشهيدات، وانشاء دور رعاية الاطفال في الملاجيء والاماكن الآمنة والمطاعم الشعبية، ولم تتوقف المرأة الفلسطينية عن الاتصال بالقوى النسائية الصديقة ومختلف الهيئات الدولية الانسانية، وتوجيه النداءات واصدار البيانات من اجل الحصول على الدعم المادي والمعنوي لوقف نزيف الدم والوقوف إلى جانب قضايا الشعبين اللبناني والفلسطيني العادلة.

وقد وجدت النساء الفلسطينيات واللبنانيات في هذه المرحلة كل الدعم من القوى الصديقة في كافة انحاء العالم، واهمها الاتحاات النسائية في الدول الاشتراكية وعلى رأسها لجنة نساء السوفيات والاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، واللذين كان لهما الدور الاكبر في دفع عجلة التحضيرات لمؤتمر منتصف العقد.

وقد ثمن البيان الصادر اجتماع ((الاندع) الذي عقد في موسكو – ايار 1978 للتحضير لمؤتمر منتصف العقد الذي تقرر عقه في كوبنهاجن ما بين 14-30/7/1980 والذي شاركت فيه النساء الفلسطينيات واللبنانيات، الجهود والنضالات التي قامت بها النساء الفلسطينيات واللبنانيات باعتبارها خطوات حقيقية في اتجاه دفع واقع المرأة للأمم، فهي وان لم تتمكن من اعداد الدراسات وعقد الندوات واستحداث القوانين الجديدة، الا ان نبض الحياة كان يتحرك على ارض الواقع، وكانت جهودها خطوات على طريق تحرر المرأة وتحرر الانسان، ومن اجل الدفاع عن حقوق الشعوب المضطهدة، وتصب في النهاية في جوهر شعارات العقد: المساواة والتنمية والسلام.

وقد بدأت اجتماعات اللجنة التحضيرية لمؤتمر كوبنهاجن في فينا ونيويورك خلال عام 1978، وتم الاجتماع النهائي في نيسان 1980. وفي هذه الاجتماعات نوقشت عدة قضايا مثل: المواضيع التي سيناقشها المؤتمر، وضرورة مشاركة وفود شعبية غير سمية في منتدى مواز للمؤتمر الرسمي. آخذين بعين الاتبار دور المرأة المتزايد في النضال من اجل السلام والاستقلال والتطور وضد الاستعمار كما تم في هذه الاجتماعات التحضيرية اعداد جدول اعمال وبرنامج عمل للمؤتمر ومسودة لاعلان عالمي حول مشاركة المرأة في النضال من اجل السلام.

وقد لعبت المرأة الفلسطينية دوراً هاماً من خلال عضويتها في المكتب الدائم للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي (اندع)، واستطاعت وبدعم الوفود العربية والصديقة الحصولع لى قرار بادخال بند خال باوضاع المرأة الفلسطينية، والذي تم اقراره في اجتماع اللجنة الثالثة في الدورة (34) للجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعد ان نال هذا القرار دعم وتأييد المنظمة الاقتصادية لدول جنوب غربي آسيا (الأكوا)، والتي تحملت فيما بعد لجنة المرأة فيها مسؤولية اعداد دراسة حول اوضاع المرأة الفلسطينية لمناقشتها في هذا البند. وقد قام الاتحا العام للمرأة الفلسطينية بتوفير المعلومات اللازمة للجنة المرأة في الاكوا لاعداد الدراسات والوثائق الضرورية، كما قام بدورها باعداد الدراسات والمواد الاعلامية اللازمة للمؤتمر، وتشكّل الوفد الفلسطيني لمؤتمر كوبنهاجن من عشرين عضو للمؤتمرين الرسمي والشعبي. ورافق الوفد خبيثران في العلاقات الدولية من الدائرة السياسية في منظمة التحرير.

وقد عقد المؤتمر بحضور 145 دولة وممثلين عن أكثر من مئة منظمة وهيئة دولية وعشبية ومئات الصحافيين والعديد  من وكالات الانباء والاذاعة والتلفزيون، كما تلقى مئات الرسائل والبرقيات من رؤساء الدول والمنظمات الدولية، وكان من بين هذ الرسائل رسالة من القائد العام للثورة الفلسطينية، لاقت الترحيب من المؤتمرين، وقد توزع اعضاء المؤتمر على اللجان لمناقشة قضايا المرأة ضمن جدول الاعمال التالية: 

1 – استعراض وتقييم التقدم الذي تم احرازه والعقبات التي واجهت بلوغ اهداف النصف الأول من عقد المرأة الدولي.

2 – الوصول إلى برنامج عمل للنصف الثاني من عقد المرأة العالمي – أي للفترة ما بين 1980 – 1985 – والرامي إلى ادماج المرأة واشراكها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

كما اعطى المؤتمر من خلال جدول اعماله اهتماماً خاصاً لثلاثة فئات من النساء وهن:

1 – نساء جنوب افريقيا.

2 –  المرأة الفلسطينية داخل وخارج الارض المحتلة.

3 – المرأة المهجرة واللاجئة.

وهكذا، نجد مرة أخرى ان المرأة الفلسطينية قد تمكنت، وبالرغم من كل العقبات والمؤامرات، ان تجعل من قضيتها وقضية شعبها محوراً اساسياً من محاور المؤتمر، كما استطاعت ان تطرح مفاهيمها الخاصة لعقد المرأة من خلال كون المشاركة في النضال الوطني شرط ضروري لاجراء أي تغيير في مركز المرأة الاجتماعي بوجه عام ولانجاز التنمية الحقيقية، ومن منطلق ان قضية المساواة لدى المرأة الفلسطينية هي ان تتساوى وشعبها مع شعوب العالم بحقهم في وطن حرّوكيان سياسي مستقل، وان تحقيق اهداف الشعب الفسطيني في تقرير مصيره ما هي الاّ خطوة على طريق تحقيق السلام في العالم اجمع.

كما تمكنت المرأة الفلسطينية نجمة المؤتمر الساطعة. فرغم كل المحاولات التي بذلتها وفود اميركا واسرائيل وكتلة اوروبا الغربية، استطاعت انتزاع قرارات هامة بدعم نساء واطفال فلسطين وقضية شعبهم العادلة. وقد فازت هذه القرارات بأغلبية عظمى: 85 مع، 3 ضد، 21 امتناع.

وكانت العقبة الاساسية التي واجهت المؤتمر هي اعتماد اعلان المكسيك لتبقى مبادئه وبنوده النهج الذي يقود اتجاهات عقد المرأة الدولي، وذلك لتضمنه بنداً ينص بوضوح على ادانة الصهيونية ورغم الصراع الحادّ الذي احتدم في المؤتمر حول هذه القضية، الا انها حسمت في النهاية، بأن تم التصويت على اعتبارها قضية اجرائية لانها تتضمن اعادة نظر في قرار تمّ اعتماده في مؤتمر سابق، وقد تم التصويت لصالح اعتبارها قضية اجرائية، وهي بهذا بحاجة لنصف + واحد من أجل الفوز، أي بالاغلبية النسبية، وهكذا تبنى المؤتمر اعلان المكسيك، وكان ذلك نصراً لوفد منظمة التحرير الفلسطينية والوفود العربية ووفود العالم الثالث والدول الصديقة وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي، وخرجت رئيستا وفدي اميركا واسرائيل ترددان المعزوفة القديمة التي تعتبر ان ادانة الصهيونية هي ادانة لليهود. وكن يرددن بأن هذه ما هي الا معركة وليست نهاية الحرب. في حين التفت الصحافة العالمية حول عضوات الوفد الفلسطيني وخرجت في اليوم التالي بعناوين بارزة تتحدث عن اختطاف المرأة الفلسطينية لمؤتمر كوبنهاجن.

وقد كان من بين التوصيات الهامة للمؤتمر واحدة تطالب الامين العام للامم المتحدة بتقديم تقرير حول اوضاع النساء والاطفال الفلسطينيين تحت الاحتلال لمؤتمر نهاية العقد عام 1985.

هذا وقد أعيد تثبيت هذه القرارات في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة، وقامت الوكالات والمنظمات المختلفة، وخاصة اليونيسكو، واليونيسيف، والاكوا، ولجنة حقوق المرأة، ومنظمة العمل الدولية، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي للامم المتحدة، ولجنة حقوق الانسان، بتجرمة هذه القرارات على أرض الواقع بالدعم الحضوري وتقصي الحقائق وتقديم الدعم المادي للبرامج والمشاريع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لنساء واطفال الشعب الفلسطيني وجميع فئات الشعب الفلسطيني من خلال البرامج والمشاريع التي كانت تعدها أو تطالب بها مؤسسات م.ت.ف المختلفة ومن بينها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية.

مؤتمر نهاية العقد / نيروبي 1985:

لم تكن الظروف المحيطة بالمرأة الفلسطينية في النصف الثاني من العقد بأفضل منها في نصفه الأول، حيث تصاعدت الهجمات الصهيونية وبدأت بشن غارات جوية ضد قواعد ومكاتب منظمة التحرير والمخيمات الفلسطينية في قلب بيروت وفي جنوب لبنان في عام 1981. وقد وصلت هذه الهجمات ذورتها في الغزو الصهيوني لجنوب لبنان في حزيران 1982 ومحاصرة بيروت التي امت 80 يوماً، وكانت تستهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية سياسياً وعسكرياً وتصفية قيادات المنظمة جسدياً، بل ان اهداف هذا الغزو لم تقتصر على ذلك وكانت تطمح إلى محاولة ابادة المخيمات الفلسطينية كما تبيّن ذلك بعد خروج قوات الثورة من بيروت، حيث نفذت القوات الصهيونية مع حلفائها الكتائب مذبحة صبرا وشاتيلا في ايلول 1982.

ولقد لعبت المرأة الفلسطينية من خلال اتحادها العام دوراً اساسياً في دعم صمود الثورة وجماهيرها في مواجهة هذه الهجمة الشرسة، والتي كانت اعنف ما واجهته الثورة الفلسطينية خلال مسيرتها، حيث ساهمت والمرأة اللبنانية بدور فعال في رعاية المهجرين ودعم صمود الجماهير والقوات المشتركة الفلسطينية – اللبنانية وشاركت في اعمال الادارة الذاتية للمناطق المحاصرة، وعمليات الانقاذ، وفي حراسة المواقع الحساسة في المعركة، وفي اعمال القتال والاذاعة والاعلام، وعندما اضطر القوات الفلسطينية للانسحاب بعد الصمود البطولي في وجه القوات الغازية، كان عليها ان تواجه العديد من المآسي الاجتماعية التي نتجت عن الحرب. فلقد دُمرت العديد من المشاريع والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التابعة للمنظمة ومن بينها ما كانت قد انجزته المرأة الفلسطينية خلال السنوات الماضية.

لقد مرّت الثورة الفلسطينية بمختلف اطرها ومؤسساتها ومن بينها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية بظروف بالغة الصعوبة والدقة بعد الخروج من بيروت. فمن التشتت الذي اصاب المؤسسات والكوادر، بكل ما خلفه من ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية، إلى المؤامرات التي تعرضت لها، والتي حاولت استغلال الخلافات الداخلية لشق صفوف الثورة واضعاف وحدتها وضرب استقلاليتها ووحدانية تمثيلها لقضية الشعب الفلسطيني، وذلك في اطار من النزاعات الطاحنة، كحرب الخليج، والنزاع على الصحراء المغربية، واتفاقية كامب دافيد، ومعارك طرابلس… الخ.

وبالرغم من هذا التضخم الواسع من الاحداث والمآسي، فقد حاولت المرأة الفلسطينية وباستمرار، رغم كل الصعاب، ان تحافظ على اطارها وان تساعد في لئم الجراح النازفة. وأن تبقى على اتصال بالاطر والمنظمات التي تؤيد نضال نساء وشعب فلسطين، كما حاولت ان تتواجد في مختلف النشاطات واللقاءات التحضيرية لمؤتمر نهاية عقد المرأة الدولي، وخاصة لقاءات ونشاطات اللجنة الاقتصادية لجنوب غربي آسيا التي قامت باعداد تقارير حول انجازات البناء في الدول المنضوية تحت مسؤوليتها، ووضعت استراتيجية خاصة للنهوض باوضاعها حتى عام 2000 وذلك بناء على توصيات مؤتمر كوبنهاجن، والتي تضمنت بنوداً واضحة حول اوضاع المرأة الفلسطينية وانجازاتها واحتياجاتها. كما شاركت المرأة الفلسطينية في مختلف الاجتماعات التحضيرية للجنة المرأة في الامم المتحدة في فينا، واروشا ونيويورك وغيرها خلال الاعوام 1983 – 1985، وحاولت جاهدة اعداد ما امكن من الدراسات واوراق العمل والمواد الاعلامية لتكون عوناً لها في معركتها المتوقعة في مؤتمر نيروبي، للدفاع عن قضاياها وقضايا شعبها.

وقد خلصت الاجتماعات التحضيرية إلى تحديد مكان وزمان المؤتمر، حيث قررت الدولة الكينية استضافته في العاصمة نيروبي في الفترة ما بين 15-26/7/1985.

كما حددت أهداف المؤتمر على النحو التالي: تقييم منجزات العقد ومراجعة العقبات في الوصول للاهداف التي اقرّها برنامج عمل عقد المرأة وعلى ضوء ما اقرّ في المكسيك وكوبنهاجن. مناقشة واقرار استراتيجية حتى العام 2000 لتنفيذ خطة النهوض بالمرأة، بحيث يتم ذلك ضمن الاهداف الاساسية للعقد: المساواة، التنمية، السلام، والثاونية: العمل، الصحة، التعليم.

وقد لمست المرأة الفلسطينية من خلال الاجتماعات التحضيرية، مدى الهجمة المتوقعة والاستعدادات لذلك من قبل اميركا واسرائيل وبالتنسيق مع دول غرب اوروبا، مستفيدين من الاوضاع الصعبة التي تواجهها منظمة التحرير الفلسطينية والانقسامات التي يعيشها العالم العربي. وقد بلغت هذه الاستعدادات المضادة حداً أعدت معه الادارة الاميركية سياسة خاصة بمؤتمر نيروبي في شباط 1985، محاول من خلالها ابتزاز الدولة المضيفة للمؤتمر وغيره من الدول وذلك من اجل اعاقة دخول وفود دول العالم الثالث، وخاصة وفود حركات التحرر الوطني، وشدّدت بالذات على وفد م.ت.ف. في محاولة لعرقلة حصولها على تأشيرات للدخول أو الحصول على اماكن للاقامة قريبة من مكان انعقاد المؤتمر، وذلك بهدف تقليل فعاليتها في المؤتمر وشلّ قدرتها على الحركة.

ولدى بدء وصول اعضاء الوفود إلى مكان انعقاد المؤتمر، وجد الوفد الفلسطيني نفسه محاصراً بالشائعات التي تملأ المكان، ومؤداها ان النساء الفلسطينيات قادمات بنية تفجير المؤتمر، وحرفه عن مسار جدول أعماله الذي سيناقش قضايا المرأة للخروج باستراتيجية استشرافية للعام 2000، وانهن سيحولن المؤتمر إلى منبر سياسي. يضاف إلى ذلك التخوف من الأثر السلبي للأنقسامات العربية – العربية والخلافات العربية – الفلسطينية والفلسطينية على فعالية الوفود العربية امام الهجمة الاميريكية المنتظرة في المؤتمر.

وقد تركزت جهود أعضاء وفد م.ت.ف البالغ عددهم ثلاثون عضواً للمؤتمرين الشعبي والرسمي بالاضافة إلى خمسة من مستشاري الدائرة الساسية لـ م.ت.ف في مجال العلاقات الافريقية والدولية، على محاولة تجميد الخلافات العربية العربية والعربية الفلسطينية بين اعضاء الوفود، حتى تتمكن من التصدي لسياسة اميركا المهيمنة إلى حد بعيد على اجواء المؤتمر. وكان عليهم ان يتحركوا بمنتهى الحكمة وباحساس عال بالمسؤولية وكأنهم يتحركون في حقل من الالغام.

لقد تميز مؤتمر نهاية عقد المرأة باتساع حجمه وصعوبة واختلاف اجوئه عن المؤتمرا السابقة، وبين كل من المؤتمرين الشعبي والرسمي ولذا سنتناول كل منهما على حدة.

على صعيد المؤتمر الشعبي : بدأ الوفد الفلسطيني نشاطاته بعقد مؤتمر صحافي قبل افتتاح المؤتمر الشعبي بساعات، ندد فيه بمنع سلطات الاحتلال الصهيوني لاربع نساء فلسطينيات من الخروج للمشاركة في اعمال المؤتمر، كما ردّ على الادعاءات والاشاات التي كا الوفدان الاسرائيلي والاميريكي يبثانها في ارجاء المؤتمر.

وقد قام الوفد الفلسطيني – ورغم انه لم يحصل على مكان وتحديد وقت لعقد ندوته الخاصة حول دائرة الاحتلال على النساء الفلسطينيات داخل وخارج ارض الوطن ((الا في يوم 17/7 أي في اواخر ايام المؤتمر الشعبي – بتوزيع اعضائه على ندوات النقاش ومشاغل العمل على مدى ايام المؤتمر الشعبي، كما قام بتغطية ما لا يقل عن 40 ندوة نقاش يومياً. وقد كان واضحاً لجميع المشاركين – والذين بلغ عددهم حوالي 10 آلاف مشارك ومشاركة – وللمراقبين والصحافيين بان الوفد الفلسطيني تمكن من طرح مفاهيمه الخاصة حول شعارات عقد المرأة، مثلما تمكن من التعبير عن معاناة نساء وشعب فلسطين تحت الاحتلال وخارج ارض الوطن، وفضح سياسة الاحتلال الصهيوني في الاراضي المحتلة. واستطاع ان يُفشل المحاولات التي قام بها اعضاء الوفد الشعبي الاسرائيلي (والذي لم يكن عدده يقل عن 500 عضو بالاضافة للوفد الامريكي البالغ حوالي 1000 عضو) لتمييع الصراع الفلسطيني الصهيوني بتهيئة جو المؤتمر حول وجود حوار فلسطيني اسرائيلي، كما فوت الفرصة على الوفد الاسرائيلي الذي حاول التركيز على الخلافات والصراعات العربية وخاصة العربية – الفلسطينية. وقد وقفت إلى جانب الوفد الفلسطيني جميع الوفود العربية المشاركة والوفود الصديقة ووفود حركات التحرر وخاصة وفد سوابو ووفد المؤتمر الوطني الافريقي (بعد ان نجح الوفد الفلسطيني في الربط بين عنصرية الكيان الصهيوني وعنصرية نظام جنوب افريقيا). والتفت من حوله العديد من الوفود والصحافيين والمراقبين. وقد كان لوجود نساء فلسطينيات قادمات من الاراضي المحتلة دعماً كبيراً للوفد الفلسطيني، كما تميّز الوفد بوجود شاهدات عيان على معاناة المرأة الفلسطينية مع شعبها تحت الاحتلال وفي سجون ومعتقلات السلطات الصهيونية، مما كان له الاثر الكبير في كسب جولات النقاش. وقد تردد في اجواء المؤتمر في الايام الاخيرة بان عضوات الوفد الاسرائيلي لم يعدن يجرؤن على الخروج من الفندق إلى ندوات النقاش.

على صعيد المؤتمر الرسمي في الايام الاخيرة، وقبل افتتاح المؤتمر الرسمي، اتضحت ابعاد الهجمة الاميريكية الاسرائيلية المتحالفة مع دول اوروبا الغربية وأميركا اللاتينية، والتي تمثلت بما يلي:

1 –محاولة الوفد الامريكي وحلفائه اقرار مبدأ اخذ القرارات على كافة الفقرات بالتوافق والغاء مبدأ التصويت، وذلك حتى تتمكن من تعديل جميع الفقرات المتعلقة بقضايا المرأة الفسلطينية ونساء حركات التحرر.

2 – محاولة شق صفوف مجموعة الـ 77 والتي كانت ترئسها مصر في هذا المؤتمر.

3 – محاولة فك التحالف الافريقي العربي، والتي اتخذت اشكالا متعددة من التهديد إلى الوعود بالمساعدات أو قطعها، مما وصل حد الابتزاز.

وعلى اثر افتتاح المؤتمر وتوزع اللجان على جدول اعمال المؤتمر، بدا واضحاً ان العقدة الرئيسية في المؤتمر هي ادانة الصهيونية، وان جميع ملامح الهجمة تتركز في طموح الادارة الامريكية بالعودة عن هذا القرار واسقاطه تماماً من قرارات الامم المتحدة، حيث بدأت العديد من دول اوروبا الغربية وأميركا اللاتينية تهدد بانها ستقف ضد جميع الفقرات المتعلقة بالمرأة الفلسطينية إذا لم تسقط الادانة للصهيونية من الفقرة (95).

هذا وقد تحرك الوفد الفلسطيني مع الوفود العربية والصديقة وحركات التحرر لادارة الصراع بروح عالية من المسؤولية، وانتشر اعضاء الوفد للاتصال مع غالبية الوفود محاولا التصدي للابتزاز الامريكي الصهيوني الذي ساد اجواء المؤتمر الرسمي. وبالرغم من كل الجهود المبذولة، الا ان جو الابتزاز ظل مسيطراً إلى درجة أبدت معها الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي قلقاً شديداً حول التغيرات في معادلة القوى في المؤتمر.

وقد تضمنت اعمال المؤتمر عدة معارك اساسية كان أولها: حسم موضوع مبدأ أخذ القرارات  بالتوافق لما يمكن التوافق عليه والتصويت على ما لا يتم التوافق عليه وكانت هذه اول معركة تخسرها اميركا.

اما المعركة الثانية: وهي الاكبر والأكثر تعقيداً. فكانت معركة اسقاط كلمة ((صهيوينية)) من فقرة العقبات التي تواجه المرأة إذا لم يتم التوافق على حذفها. وقد اخذت هذه المعركة جولات وجولات من المداولات والمباحثات ودراسات معادلة القوى، وارتفعت الجلسة عدة مرات ولساعات طويلة، وعقدت عدة لقاءات جانبية لاطراف التحالفات المختلفة، حتى كادت أن تتوقف اعمال المؤتمر دون التوصل لاقرار الاستراتيجية. وبدأت الاشعات تنتشر لتضرب تحالفات الوفد الفلسطيني والوفود العربية مع الوفود الافريقية، إلى ان انعقدت الجلسة حوالي الثالثة صباحاً يوم 26/7 آخر يوم في المؤتمر، وتقدمت الدولة المضيفة باقتراح لتعديل الفقرة بحيث يحل تعبير ((وكافة اشكال العنصرية)) بدلا من كلمة صهيونية، وبادرت على الفور للتحريب باقتراح التعديل كل من وفود الاتحاد السوفياتي، مصر، المكسيك والباكستان على التوالي، وكانت هذه الوفود هي التي تجتمع حولها الكتل الاساسية في المؤتمر، وعندما وصل الأمر لهذا الحدّ بادر وفد م.ت.ف بالموافقة على التعديل قبل ان تبرز اية معارضة تؤدي لتحويل الفقرة للتصويت حيث لم تكن معادلة القوى تسمح بانجاح الفقرة. وسيكون في سقوطها نكسة كبيرة حيث سيعتبر ذلك تراجعاً عن قرار سابق، وهو ما كانت تطمح اليه اميركا واسرائيل.

بعد ذلك كاد المؤتمر ان يتحول إلى مهرجان تضامني مع القضية الفلسطينية ونساء فلسطين، وبدأت الوفود تتوالى في اخذ حق الكلام، حتى وصل المؤتمر للفقرة (307) الخاصة باوضاع النساء الفلسطينيات ومعاناتهن مع شعبهن تحت الاحتلال وخارج ارض الوطن، والتي تؤكد على حقها مع شعبها في العيش  بكرامة. وحقها بالاحتفاظ بهويتها الوطنية، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة. تحمل مؤسسات الامم المتحدة مسؤولية دراسة اوضاع النساء الفلسطينيات واقامة المشاريع التي تساعدهن في كافة المجالات، كما تحمل المجتمع الدولي مسؤوليات بذل قصارى الجهد لوقف انشاء المستوطنات الاسرائيلية. وتؤكد على حق المرأة الفلسطينية بالتمتع في وطن محرر وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.

وقد وقف الوفدان الاميريكي والاسرائيلي ضد هذه الفقرة بقوة، مما جعلها تخضع لعملية التصويت، وقد نجحت باغلبية ساحقة (97 صوت مع، 3أصوات ضد هي اميركا، اسرائيل، استراليا، وامتنع عن التصويت 29 وفداً).

وقد انقلب المؤتمر بع التصويت ضد الاصوات المضادة، إلى درجة بدأ معها الوفد الامريكي كالمطرود، وخرجت رئيسية من القاعة وهي تردد بأن وثيقة الاستراتيجية ما هي الا مجرد ورقة.

وكانت الطامة الحقيقية عندما اقترح المؤتمر – ولعدم وجود تعديلات اساسية – بعدم صدور اعلان خاص عن مؤتمر نيروبي، على ان يعاد تبني اعلاني المكسيك وكوبنهاجن.

وهكذا، فان الوفد الفلسطيني، وان لم يحقق كافة طموحاته، الا انه تمكن من ان يفشل خطة الادارة الاميركية للمؤتمر، وان كانت الابواق الاميريكية قد حاولت ان تغطي فشلها من خلال التركيز على حذف المؤتمر كلمة الصهيونية، الا ان عدم ورود الادانة للصهيونية بالنص لا يعني اسقاطها من القرارات السابقة كما لا يعني عدم العودة اليها لانها واردة بالمعنى وواردة بالنص في اعلاني المكسيك وكوبنهاجن.

وفي النهاية، فان الاهمية الاساسية لمثل هذه المؤتمرات تكمن في التفاعلات التي يحدثها الوفد وكيفية ادارته للصراعات المختلفة وقدرته على ايصال مختلفة ابعاد القضية وتوضيح معالمها، وربط قضايا المرأة الفلسطينية بقضايا نساء العالم، والتي تؤدي إلى تعميق علاقات م.ت.ف بالاطراف المختلفة في العالم، وتحدث التغيير في الرأي العام الدولي وتعمل على تطوير معادلات القوى على المدى البعيد.

ان نضالات المرأة الفلسطينية مع شعبها من اجل حقه في العودة وتقرير المصير واقامة دولته المستلقة، لم تكن ابداً معزولة عن قضايا الشعوب الاخرى، بل لقد كانت المرأة الفلسطينية دائماً، سواء في مؤتمراتها الداخلية أو في العمل على ارض الواقع أو في المحافل الدولية التي شاركت فيها، تعمل على تبادل الخبرات والتجارب مع نساء الشعوب المضطهدة في العالم، والتي تناضل من اجل تحررها واستقلالها الوطني، وتحرص توحيد المواقف معها، إلى جانب قضايا الشعوب المحبة للسلام في جميع انحاء العالم.

وهكذا. فان مجمع نضالات المرأة الفلسطينية تجاه قضية شعبها لم تكن الاّ خطوات من اجل تحقيق اهداف الشعب الفلسطيني، والمشاركة في صنع مستقبل افضل للبشرية في عالم حرّ يسوده السلام.

المصادر :

1 –نشرة التعريف بعقد ومؤتمرات الامم المتحدة للمرأة. منشورات الأمم المتحدة – 1985.

2 – تقرير المؤتمر العالمي لاستعراض وتقييم منجزات عقد الامم المتحدة للمرأة – نيروبي 15-26 تموز 1985 منشورات الأمم المتحدة – 1985.

3- خديجة ابو علي، مقدمات حول واقع المرأة وتجربتها في الثورة الفلسطينية. منشورات الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية. بيروت 1975.

4 – مقابلة خاصة مع السيدة عصام عبد الهادي – رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ورئيسة وفد م.ت.ف لمؤتمر المكسيك 1975.

5 – المؤتمر الاول للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية 15-20 تموز 1965 – القدس.

6- التقارير السياسية لمؤتمري الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية الثالث 1980- والرابع 1985.

7 – تقرير وفد الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية حول اعمال وفقد م.ت.ف في مؤتمر برلين الدولي للمرأة، 1975.

8 – تقرير وفد الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية حول اعمال وفقد م.ت.ف في مؤتمر كوبنهاجن 1980.

9- تقرير الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي حول اعماله في اللجان التحضيرية لمؤتمر كوبنهاجن 1980.

10- تقرير وفد الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية حول اعمال وفد م.ت.ف في مؤتمر نيروبي 1985.

11- سياسة الولايات المتحدة تجاه مؤتمر الامم المتحدة للمرأة (والذي سيعقد في نيروبي 1985) 25 شباط 1985.

12- تقرير غير منشور حول الانجازات والعقبات التي واجهت المرأة الفلسطينية خلال عقد المرأة 1975 -1985. اعد لاجتماع لجنة المرأة في الجامعة العربية المنعقدة في 22/7/1985 في اطار التحضير لمؤتمر نيروبي.

أضف تعليق